غزة 8-9-2026 وفا- محمد دهمان
بعد ثلاثة أعوام دراسية أثقلت كاهل أطفال غزة بالحرب والنزوح وانقطاع التعليم، تستعد مدرسة البطريركية اللاتينية في غزة لاستقبال نحو ألف طالب وطالبة في 16 أيلول/ سبتمبر الجاري، في محاولة لاستعادة انتظام العملية التعليمية ومعالجة جزء من الفاقد الذي تراكم خلال السنوات الماضية.
وتقدم المدرسة، التي تضم مراحل التعليم من الحضانة ورياض الأطفال حتى الثانوية العامة "التوجيهي" بفرعيها العلمي والأدبي، نموذجا مصغرا للتحديات التي تواجه عودة التعليم في القطاع، في ظل أضرار لحقت بالمرافق، واحتياجات متزايدة من المستلزمات التعليمية، إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب والنزوح على الطلبة.
وكان من المقرر أن يبدأ العام الدراسي في السادس من أيلول/ سبتمبر بالتزامن مع الضفة الغربية، قبل أن تقرر وزارة التربية والتعليم تأجيل انطلاقه إلى 16 من الشهر ذاته في قطاع غزة.
ويقول راعي رعية كنيسة العائلة المقدسة في غزة الأب جبرائيل إدواردو رومانيللي، إن مدارس البطريركية اللاتينية في القطاع كانت تضم قبل الحرب نحو ألف طالب وطالبة، بينهم نحو 650 طالبا في مدرسة العائلة المقدسة، ونحو 300 طالب في مدرسة الدير اللاتيني.
ويضيف، في حديث لمراسل "وفا"، أن التعليم استمر خلال الحرب بظروف استثنائية، إذ بدأت الدروس عام 2024 داخل كنيسة العائلة المقدسة، في وقت كانت فيه العائلات النازحة تتخذ منها مكانا للإيواء، في محاولة للحفاظ على استمرارية التعليم رغم الظروف الصعبة.
وبحسب رومانيللي، يقترب عدد الطلبة المسجلين للعام الدراسي الجديد من ألف طالب وطالبة، موزعين على 26 شعبة صفية، فيما ستعمل المدرسة على معالجة الفاقد التعليمي من خلال برامج ومواد علاجية، والتركيز على المهارات والمعارف الأساسية، خصوصا في المواد الرئيسية، إلى جانب زيادة عدد الحصص وتطبيق أساليب التعلم النشط.
ولا تقتصر التحديات على الجانب التعليمي، إذ تحتاج المدرسة إلى أعمال صيانة وتجهيزات ومقاعد ومواد تعليمية ومستلزمات كهربائية، فيما تشكل المواصلات وارتفاع تكلفتها عبئا إضافيا على الأسر، إلى جانب الحاجة إلى برامج للدعم النفسي والاجتماعي.
تجهيزات وسط تحديات الحرب
ويقول مدير عمليات البطريركية اللاتينية في غزة ورئيس لجنة الطوارئ التابعة للكنيسة الكاثوليكية جورج أنطون، إن الاستعداد لعودة الطلبة جرى بالتنسيق بين البطريركية اللاتينية في القدس وإدارة المدرسة والفرق المحلية، وشمل تأهيل المرافق المتضررة وتجهيز الغرف الصفية وتأمين الأثاث والمقاعد والمواد التعليمية.
ويشير في حديث لمراسل "وفا"، إلى أن الاستعدادات جرت وسط صعوبة إدخال المواد والتجهيزات إلى القطاع، وارتفاع الأسعار ونقص مواد البناء وصعوبة الحركة والتنقل، ما استدعى ترتيب الأولويات والاستفادة من الموارد المحلية.
ويبين أن تقييم المباني أظهر الحاجة إلى صيانة عاجلة، من بينها مبنى رياض الأطفال وبعض الغرف الصفية، إضافة إلى توفير الأثاث والمقاعد، التي تقدر الحاجة إليها بنحو ألف مقعد.
ويؤكد أن توفير بيئة آمنة ومستقرة للطلبة يمثل تحديا موازيا للأضرار المادية، في ظل ما عاشه الأطفال من خوف وفقدان ونزوح، موضحا أن المدرسة ستعمل على توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج حماية الطفل والتعليم العلاجي، إلى جانب الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية.
وخلال الحرب، استقبلت كنيسة العائلة المقدسة في مراحل مختلفة نحو 650 نازحا، وقدمت لهم الطعام والمياه ومواد النظافة والاحتياجات الأساسية، فيما تستمر الكنيسة في تقديم مساعدات مباشرة تصل إلى نحو 700 عائلة شهريا.
أمل في تعويض الفاقد
ويأمل الأهالي أن تساعد عودة التعليم الوجاهي على معالجة الفجوات التي خلّفها الانقطاع الطويل، خاصة لدى طلبة المراحل الأساسية.
ويقول مصطفى طارق أبو رمضان، والد الطالبة ليان في الصف التاسع، إن تعليم ابنته خلال الحرب كان صعبا، واعتمد جزئيا على التعليم من بعد في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، قبل أن تلتحق العام الماضي بأحد مراكز التعليم الوجاهي.
ويشير إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الأسر تكلفة المواصلات وبعد المسافة، إلى جانب ارتفاع أسعار الكتب والقرطاسية، معربا عن أمله في أن تركز المدرسة في بداية العام على مراجعة المواد الأساسية، وإجراء تقييم أولي لمستويات الطلبة.
من جانبه، يقول محمد محيي الدين الجرو، والد طالبة في الصف الخامس وطالب في الصف الرابع، إن تعليم أبنائه خلال الحرب كان ضعيفا، خصوصا في المراحل الأساسية، ما أدى إلى فجوات في مهارتي القراءة والكتابة، معربا عن أمله في أن تسهم العودة إلى المدرسة في استعادة المستوى التعليمي للأطفال.
وتشير بيانات وزارة التربية والتعليم والجهاز المركزي للإحصاء إلى أن نحو 626 ألف طفل في سن الدراسة في قطاع غزة يواجهون خطر الفاقد التعليمي، من أصل نحو 1.09 مليون طفل، أي ما يقارب 57.4%.
ويشير الفاقد التعليمي إلى التراجع في اكتساب المعارف والمهارات الأساسية نتيجة انقطاع التعليم أو ضعفه، بما يشمل فقدان الوقت التعليمي والتراجع في مهارات القراءة والكتابة والحساب وتراكم الفجوات التعليمية.
ومع استعداد المدرسة لاستقبال نحو ألف طالب وطالبة، تبدو العودة إلى مقاعد الدراسة خطوة تتجاوز استئناف الحصص التعليمية، لتشكل محاولة لاستعادة انتظام حياة الأطفال، وردم جانب من الفجوات التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح، وتوفير مساحة أكثر أمانا للتعلم والتفاعل.
ــــ
/م.ع


