غزة 6-9-2026 وفا- محمد دهمان
في مشهد أعاد إلى الواجهة معاناة عائلات ظلت تنتظر الوصول إلى جثامين أحبائها لأشهر طويلة، شيّع أهالي حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، صباح اليوم، جثامين نحو 100 شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بعد انتشالها من تحت أنقاض منازل دمرتها غارات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب.
موكب التشييع انطلق من أمام مسجد الإمام الشافعي في حي الزيتون، بمشاركة ذوي الشهداء وأهالي الحي، قبل أن تتجه الجنازات إلى مقبرة الشهداء، حيث أقيمت قبور جماعية ووري الشهداء الثرى.
وبين المشيعين، كانت مريم البلعاوي تودّع زوجها محمود مجدي البلعاوي (29 عامًا)، وأطفالها محمد ومايا (12 عامًا)، وحلا (9 أعوام)، بعد نحو عام من بقائهم تحت ركام منزل الأسرة في حي الزيتون.
في السادس من آب/أغسطس 2025، استهدفت غارة منزل العائلة، بينما كانت مريم خارج المنزل برفقة ابنتها ملك (13 عامًا) لتلقي العلاج، تاركة خلفها زوجها وأطفالها بانتظار عودتها لتناول الإفطار معًا.
ومنذ ذلك اليوم، ظلت جثامين محمود ومحمد ومايا تحت الأنقاض، فيما كانت الأسرة قد تمكنت في وقت سابق من انتشال جزء من رفات ابنتها حلا، قبل أن تتمكن الطواقم أخيرًا من انتشال ما تبقى من رفاتها إلى جانب جثامين والدها وشقيقيها.
قبل أيام، أبلغت طواقم الدفاع المدني مريم بتمكنها من الوصول إلى جثامين زوجها وأطفالها وانتشالها من تحت الركام.
وتقول مريم في حديث لمراسل "وفا": "تم انتشال جثامين أولادي وزوجي من تحت ركام البيت بعد غياب سنة من فراقهم. أبلغني الدفاع المدني أنهم بدهم يطلعوا أولادي وزوجي، ومن لحظة ما طلعوهم من تحت الركام كانوا أشلاء وعظم".
ولم تتمكن من التعرف إليهم إلا من خلال ملابسهم، وتقول: "تعرفت عليهم من ملابسهم، تعرفت على جثث أولادي وزوجي من خلال أواعيهم وملابسهم".
وتصف مريم لحظة رؤيتهم بأنها "شعور لا يوصف"، بعدما وجدت أمامها أفراد أسرتها الذين انتظرت عامًا كاملًا للوصول إليهم.
وتقول: "والله قلبي وجعني عليهم، ماتوا وهما جعانين، ما أكلوا، كانوا ينتظروا أن نفطر مع بعض، بس للأسف انقصف البيت عليهم واستشهدوا".
في تقرير سابق لـ"وفا"، كانت مريم قد تحدثت عن عجزها عن الوصول إلى زوجها وأطفالها، وقالت إن أمنيتها أن تتمكن من إخراجهم من تحت الركام ودفنهم بيديها.
وبعد عام من الانتظار، تحققت أمنيتها، وانتشلت الجثامين وشيعت ودفنت اليوم، وتقول: "الحمد لله تحققت أمنيتي، وتم انتشال زوجي وأولادي وتم دفنهم بالقبر"، لكن انتهاء رحلة البحث لم ينهِ معاناة مريم، التي وجدت نفسها بعد الدفن أمام حياة جديدة مع ابنتها ملك، الناجية الوحيدة من أفراد الأسرة الذين كانوا داخل المنزل لحظة القصف.
تعيش ملك، البالغة من العمر 13 عامًا، صدمة جديدة بعد أن أصبحت حقيقة فقدان والدها وإخوتها أكثر قسوة مع انتشال رفاتهم ودفنهم.
وتقول مريم: بنتي ملك مصدومة ونفسيتها تعبانة، تبكي ليل ونهار، بدها أبوها وخواتها اللي انحرمت منهم".وتضيف: "شو ذنبها تنحرم من طفولتها وتعليمها؟ صارت معها صدمة مرعبة من لحظة انتشال الجثامين"
وتواجه مريم مسؤولية رعاية ابنتها وحدها، في ظل غياب البيت والاستقرار، وتقول: "ليش حرموني منهم؟ شو ذنبهم؟ طيب ليش بنتي اليتيمة ما حد بفقدها ولا حدا بدور علينا؟ انحرمنا من كل شيء حلو، لا يوجد مكان ثابت أعيش فيه".
وتحمل مريم رسالتها إلى العالم، مطالبة بمساندتها وابنتها ومساعدتها على تأمين حياة مستقرة لها وتعويضها عما فقدته.
وبعد عام من الانتظار، لم تعد مريم تقف فوق ركام منزلها بحثًا عن جثامين زوجها وأطفالها؛ فقد ووريت رفاتهم الثرى اليوم. لكن الفقد لم ينتهِ بالدفن، إذ تبدأ مريم وملك فصلًا جديدًا من حياتهما، من دون محمود ومحمد ومايا وحلا، ومن دون البيت الذي كان يجمع الأسرة.
أما ملك، التي بقيت وحدها من أطفال العائلة، فتحمل ذاكرة والدها وإخوتها، وتنتظر، كما تقول والدتها، أن تجد من يساعدها على استعادة شيء من طفولتها وتعليمها وحياتها التي انتزعتها الحرب منها.
وارتفعت حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 73,651 شهيدًا و174,592 مصابًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 17 إصابة.
وبلغ إجمالي عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، 1,344 شهيدًا، والإصابات 4,481 إصابة، فيما جرى انتشال 826 جثمانًا.
ولا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم.
ــــــ
/ م.ل


