أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 01/09/2026 07:38 م

القدس: استهداف متصاعد للتعليم والهوية

القدس 1-9-2026 وفا- بلال غيث كسواني

مع بدء العام الدراسي 2026/2027، دخلت سياسة الاحتلال الإسرائيلي لفرض المنهاج الإسرائيلي على الطلبة الفلسطينيين في القدس الشرقية مرحلة جديدة، مع توسيع نطاق تطبيقه ليشمل الصفوف الجديدة، بالتزامن مع إجراءات تستهدف المعلمين القادمين من الضفة الغربية، والاستيلاء على مؤسسات تعليمية تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

وسيصل عدد الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون وفق المنهاج الإسرائيلي خلال العام الدراسي الحالي نحو 45 ألف طالب، من أصل قرابة 120 ألف طالب فلسطيني في القدس الشرقية، أي ما يقارب 38% من إجمالي الطلبة.

ودخل القرار حيز التنفيذ اليوم الثلاثاء، ويشمل في مرحلته الحالية طلبة الصفين الأول والسابع، في توجه يهدف إلى إدخال الطلبة الفلسطينيين تدريجياً في النظام التعليمي الإسرائيلي منذ المراحل الدراسية الأولى.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد متواصل لفرض المنهاج الإسرائيلي على مدارس القدس الشرقية، إذ ارتفع عدد الطلبة الذين يدرسون وفقه من 10,347 طالباً في العام الدراسي 2020/2021 إلى 19,402 طالب في 2024/2025، ثم إلى 27,041 طالباً في 2025/2026.

ويشمل التوجه الحالي 39,363 طالباً في 105 مدارس بلدية تابعة للاحتلال، إضافة إلى 5,085 طالباً في مؤسسات تعليمية مصنفة ضمن "المعترف بها وغير الرسمية".

 

التربية: استهداف ممنهج للتعليم في القدس

وأكدت وزارة التربية والتعليم العالي أن حق الطلبة المقدسيين في التعليم ودراسة منهاجهم الوطني حق أصيل كفلته المواثيق والاتفاقيات الدولية، ولا يجوز مصادرته أو المساس به أو تعطيله. 

وشددت الوزارة، في بيان اليوم الثلاثاء، على أن انتظام العملية التعليمية في مدارس القدس، بكافة مكوناتها، يمثل أولوية وطنية وتربوية، محذرة من خطورة الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة بحق قطاع التعليم في المدينة.

وقالت إنها تنظر بخطورة بالغة إلى منع سلطات الاحتلال عدداً من المعلمين والمعلمات وأفراد الطواقم التعليمية من الوصول إلى مدارسهم، لا سيما في المدارس المسيحية، نتيجة عدم تجديد تصاريح الدخول، الأمر الذي حال دون وصول الكوادر التعليمية إلى مدارسها وانعكس بصورة مباشرة على انتظام بدء العام الدراسي.

وأكدت أن هذه الإجراءات، إلى جانب ما يرتبط بفرض المنهاج الإسرائيلي، تأتي في سياق استهداف ممنهج ومتواصل للتعليم في القدس، ضمن سلسلة من الإجراءات التي طالت مدارس "الأونروا"، والمنهاج الوطني، ومنع تشييد الأبنية المدرسية، وغيرها من الممارسات الهادفة إلى طمس الهوية الوطنية وتغيير السردية الفلسطينية.

وطالبت الوزارة، المجتمع الدولي والمؤسسات والهيئات التعليمية والحقوقية الدولية بتحمل مسؤولياتها، وممارسة الضغط اللازم والتحرك العاجل لوقف هذه الممارسات، وضمان حق الطلبة المقدسيين في التعليم ودراسة منهاجهم الوطني، وحرية وصول المعلمين والطواقم التعليمية إلى مدارسهم.

كما أعربت عن اعتزازها بمواقف طلبة القدس وأولياء أمورهم والهيئات التدريسية والإدارات المدرسية، مؤكدة مواصلة متابعة الملف مع الجهات ذات العلاقة والعمل لضمان ديمومة التعليم وانتظامه في مدارس القدس وحماية حق الطلبة الفلسطينيين في التعليم.

 

مدارس في القدس بلا معلمين من الضفة

ولا يقتصر تأثير إجراءات الاحتلال على المناهج، إذ تواجه مدارس القدس أزمة متصاعدة بسبب منع معلمين وموظفين من الضفة الغربية من الوصول إلى المدينة بعد عدم تجديد تصاريح دخولهم.

وقال مدير مدرسة الفرير في القدس المحتلة داوود كسابرة، لـ"وفا"، إن المدرسة تعاني نقصاً في أعداد المعلمين اللازمين لبدء العام الدراسي، مشيراً إلى أن نحو 180 معلماً وموظفاً من العاملين في المدارس الكاثوليكية لم يحصلوا على تصاريح دخول إلى القدس هذا العام.

وأوضح أن "المدارس لا يوجد لديها عدد كاف من المعلمين لتغطية الصفوف"، لافتاً إلى أن مدارس القدس الكاثوليكية تعتمد بصورة كبيرة على معلمين من الضفة الغربية.

وأشار إلى أن المدارس الخاصة والأهلية، وبينها المدارس المسيحية، اضطرت إلى تعليق الدوام المدرسي اعتباراً من صباح اليوم الثلاثاء، نتيجة عدم تمكن عدد من كوادرها التعليمية والإدارية من الوصول إلى مدارسهم.

وتابع كسابرة أن الأزمة لا تتعلق فقط ببدء العام الدراسي، وإنما تهدد قدرة المدارس على توفير الكادر المتخصص في عدد من المواد الأساسية، في ظل اعتمادها منذ سنوات على معلمين من الضفة الغربية.

 

منع المعلمين.. أداة جديدة لمحاصرة التعليم

من جهتها، قالت المتخصصة بشؤون التعليم في القدس ديما السمان لـ"وفا"، إن إجراءات الاحتلال بحق المعلمين تشكل جزءاً من مخططات متواصلة لاستهداف التعليم الفلسطيني في القدس.

وأضافت أن الاحتلال "يستخدم اليوم أسلوباً جديداً لمحاربة التعليم، من خلال منع تصاريح معلمي الضفة وعدم تمكين المدارس من افتتاح العام الدراسي إلا بمدرسين من قبل الاحتلال أو محسوبين عليه".

وأوضحت أن عدداً من التخصصات الأساسية في مدارس القدس، وفي مقدمتها الرياضيات واللغة الإنجليزية والفيزياء وغيرها، تعتمد على معلمين من الضفة الغربية، مشيرة إلى أن منع هؤلاء المعلمين من الوصول إلى مدارسهم يفاقم أزمة الكادر التعليمي ويضع المدارس أمام خيارات محدودة.

وقالت إن إجراءات الاحتلال تتزامن مع التضييق على المنهاج الفلسطيني، ومنع إدخال الكتب الأصلية إلى مدارس القدس، وإجبار المدارس على استخدام مناهج يجري "تحريفها" أو فرضها من قبل سلطات الاحتلال.

وأضافت أن المدارس التي تضبط بحوزتها كتب من المنهاج الفلسطيني الرسمي قد تتعرض لعقوبات، بينها وقف المخصصات، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمات مالية تهدد استمرار بعض المدارس.

 

من الصف الأول إلى "البجروت"

وترى السمان أن الهدف النهائي لهذه السياسة يتمثل في إيصال المدارس الفلسطينية في القدس إلى مرحلة يصبح فيها الاعتماد على المناهج الإسرائيلية أمراً مفروضاً، وصولاً إلى انتقال الطلبة من الصفوف الأولى إلى الثانوية الإسرائيلية وما يعرف بـ"البجروت"، بدلاً من المنهاج الفلسطيني وشهادة الثانوية العامة "التوجيهي".

وقالت إن الأزمة التعليمية في القدس تتفاقم في ظل ضعف الإمكانات المالية للمدارس، وعدم قدرة المدارس الخاصة على تمويل احتياجاتها بمفردها، إلى جانب تراجع دعم السلطة الوطنية للمدارس الخاصة، وإغلاق مدارس "الأونروا" بالكامل.

وأضافت أن مدارس الأوقاف تواجه بدورها مشكلات مرتبطة بعدم انتظام رواتب المعلمين، ما دفع عدداً منهم إلى الاستقالة أو الحصول على إجازات من دون راتب، الأمر الذي انعكس على العملية التعليمية.

وأشارت إلى أن هذه الظروف دفعت بعض الأهالي إلى نقل أبنائهم إلى المدارس الخاصة، فيما توجهت العائلات الأقل قدرة مادياً إلى المدارس البلدية التابعة للاحتلال، الأمر الذي يزيد الضغط على النظام التعليمي الفلسطيني في المدينة.

وقالت السمان: "نحن نلف وندور حول الموضوع نفسه؛ تبدأ المسألة بتحريف المناهج وتزويرها، واليوم وصلنا إلى مرحلة فرض المناهج الإسرائيلية في المدارس".

 

تحذيرات من طمس الرواية الفلسطينية

وحذر المتحدث باسم محافظة القدس معروف الرفاعي من التداعيات الخطيرة لفرض المنهاج الإسرائيلي، واصفاً الخطوة بأنها "تصعيد خطير وغير مسبوق منذ عام 1967"، واستهداف مباشر للهوية الوطنية والثقافية لأجيال القدس.

وقال إن القرار يأتي في سياق سياسة ممنهجة تستهدف قطاع التعليم الفلسطيني في المدينة، وتهدف إلى إحلال الرواية الإسرائيلية مكان المنهاج الفلسطيني، بما يمس حق الطلبة المقدسيين في التعليم وفق منهج يعبر عن تاريخهم وهويتهم وثقافتهم الوطنية.

وأضاف أن استهداف المناهج لا يقتصر على الجانب التعليمي، وإنما يطال الوعي والذاكرة والهوية الوطنية، في ظل حذف أو تهميش موضوعات أساسية من التاريخ والرواية الفلسطينية، وفي مقدمتها النكبة والأسرى والقدس.

وأكد أن فرض منهاج سلطة الاحتلال على السكان الفلسطينيين في مدينة محتلة يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، داعياً منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" والمؤسسات الدولية المعنية إلى التدخل لوقف إجراءات فرض المنهاج الإسرائيلي وحماية المؤسسات التعليمية الفلسطينية والحق في التعليم.

 

 الاستيلاء على مؤسسات "الأونروا" التعليمية

وقال الرفاعي إن سلطات الاحتلال استولت على مجمعين تعليميين تابعين لـ"الأونروا" في مخيمي شعفاط وكفر عقب.

وأضاف أن سلطات الاحتلال تعتزم افتتاح 14 صفاً ثانوياً ومدرسة ابتدائية وخمس رياض أطفال في مجمع شعفاط، إلى جانب مدرسة ثانوية للبنين في مجمع كفر عقب.

واعتبر أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة تستهدف تغيير واقع التعليم الفلسطيني في القدس وفرض منظومة تعليمية تتوافق مع سياسات الاحتلال.

وبين فرض المناهج الإسرائيلية، والتضييق على المعلمين، والاستيلاء على مؤسسات "الأونروا"، ومنع تشييد المدارس، تواجه العملية التعليمية الفلسطينية في القدس جملة من الإجراءات التي تهدد انتظامها، فيما يتمسك الطلبة والأهالي والمعلمون بالمنهاج الفلسطيني باعتباره جزءاً من هويتهم الوطنية وذاكرتهم الجماعية.

ــ

/ي.ط

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا