غزة 1-7-2026 وفا- محمد دهمان
في خيمة نزوح ضيقة تحوّلت إلى مساحة صغيرة للحياة وسط ركام الحرب، يجلس أطفال غزة ممسكين بأوراق بيضاء وأقلام تلوين، لا لرسم مناظر بريئة أو شخصيات كرتونية، بل لتدوين ما عجزت الكلمات عن حمله. بين خطوط متشابكة وألوان قاتمة وأخرى باهتة، تتشكل حكايات فقد وخوف ونزوح عاشوها منذ اندلاع الحرب، لتغدو الورقة مساحة بديلة للذاكرة والصوت.
ومع استمرار الحرب وما خلّفتها من دمار واسع وخسائر إنسانية غير مسبوقة، لم تقتصر آثارها على البنية التحتية والمنازل، بل امتدت بعمق إلى الصحة النفسية لمئات آلاف الأطفال في قطاع غزة، في ظل تراجع حاد في خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، يبلغ عدد الأطفال في القطاع نحو 1.1 مليون، يشكلون قرابة 47% من السكان، فيما تشير مصادر طبية إلى استشهاد أكثر من 21 ألف طفل وإصابة أكثر من 44 ألفاً منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، في واحدة من أكثر الأزمات قسوة في التاريخ الحديث.
ويعزز ذلك ما ورد في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، الذي أكد أن أطفال غزة تعرضوا لوفيات وإصابات وصدمات نفسية غير مسبوقة، وأن الحرب أزالت ملامح الطفولة لدى أعداد كبيرة منهم، مُخلّفة آثاراً طويلة الأمد في صحتهم النفسية والجسدية، بما يجعل الدعم النفسي ضرورة إنسانية عاجلة.
أمام هذا الواقع، برز "العلاج بالرسم" كأحد أهم المساحات الآمنة التي تمنح الأطفال فرصة للتعبير عن مشاعرهم، وتفريغ ما بداخلهم من خوف وقلق وصدمات، بعيداً عن اللغة والكلمات، ليصبح الرسم نافذة يطل منها المختصون على عالمهم الداخلي.
الفنانة التشكيلية أسماء طافش، التي فقدت منزلها في حي الزيتون بمدينة غزة وأصبحت نازحة تتنقل بين الخيام، تحاول منذ بداية الحرب تحويل الفن إلى أداة للدعم النفسي، رغم استعدادها للنزوح المتكرر الذي وصل إلى 17 مرة.
وتقول طافش: إن فكرة الجلسات جاءت من إيمانها بأن الرسم هو اللغة الأقرب للأطفال، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون التعبير عن صدماتهم بالكلمات، موضحة أن خطوطاً بسيطة وألواناً متفرقة تكفي أحياناً لترجمة ما يدور في داخلهم.
وشملت المبادرة نحو 30 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و15 عاماً، باعتبارهم الأكثر تأثراً بظروف الحرب، وشهدت إقبالاً واسعاً من الأطفال وذويهم، قبل أن تتوقف نتيجة غياب التمويل، واستمرار النزوح، وصعوبة توفير أماكن آمنة وأدوات الرسم.
وتشير طافش إلى أن الرسومات حملت قاسماً مشتركاً يتمثل في انعكاس الصدمات النفسية العميقة، مؤكدة أن الرسم يمنح الطفل مساحة لتفريغ ما في داخله بطريقة آمنة، ويكشف ما تختزنه الذاكرة من خوف وألم.
وتضيف أن أكثر ما كان يلفت الانتباه هو التغير الذي يظهر على الأطفال بعد جلسات الرسم، إذ يبدأون بالحديث عن رسوماتهم وكأنها مفاتيح لفتح الذاكرة والتعبير عن تجاربهم الشخصية، ما يخفف حدة الضغط النفسي لديهم.
وتتوقف عند حالة طفل فقد والديه خلال الحرب، ويعيش شعوراً بالنبذ والافتقاد العاطفي، معتبرة أن هذه النماذج تعكس حجم الأزمة النفسية التي يعيشها الأطفال، خصوصاً من فقدوا أسرهم ودعمهم الأسري.
وترى طافش أن العلاج بالرسم يعد من أكثر الأدوات فاعلية في الدعم النفسي، لكونه لا يتطلب مهارات فنية، بل يفتح المجال للتعبير الحر عن المشاعر، في وقت خلّفت فيه الحرب مستويات غير مسبوقة من الخوف والقلق لدى مختلف الفئات.
ورغم نجاح التجربة، تؤكد أن غياب التمويل ونقص الأدوات وارتفاع تكلفتها، إضافة إلى غياب المساحات الآمنة، أدت إلى توقف المبادرة، رغم تعلق الأطفال بها وحاجتهم إليها.
ومع ذلك، لا تزال تطمح إلى إنشاء مراكز للعلاج بالفن داخل مخيمات النزوح وفي مختلف مناطق القطاع، لتكون مساحة دائمة للدعم النفسي.
ولم تقتصر التجربة على الأطفال، إذ جرى تدريب عدد من المهتمين بالصحة النفسية على تحليل رسومات الأطفال لفهم ما تعكسه من مشاعر وصدمات، من بينهم الطالبة فاطمة ناصر المصري (19 عاماً)، التي تؤكد أن الرسم يساعد على قراءة ما لا يُقال بالكلمات، خاصة في ظل ظروف الحرب.
كما ترى المعلمة والمنشطة نيفين جودة أن التجربة غيّرت نظرتها للرسم من نشاط فني إلى وسيلة علاجية، مشيرة إلى أن "الرسم الحر" كان الأكثر تأثيراً في كشف مشاعر الأطفال.
من جانبها، تؤكد استشارية الصحة النفسية الدكتورة غادة عبد الله بن سعيد أن آثار الحرب النفسية عميقة في مختلف الفئات، إلا أن الأطفال يبقون الأكثر هشاشة، فيظهر في سلوكهم على شكل خوف وقلق واضطرابات سلوكية.
وتوضح أن آثار الصدمات النفسية لا تتوقف بانتهاء الحدث، بل تمتد لفترات طويلة، ما يجعل التدخلات النفسية ضرورة ملحة لإعادة التوازن.
وتشدد على أن العلاج بالرسم يعد من أكثر الأساليب فاعلية، لأنه يوفر مساحة آمنة للتعبير، ويساعد المختصين على فهم الحالة النفسية من خلال الألوان والرموز.
وتدعو إلى توسيع برامج العلاج بالفن داخل مراكز الإيواء والمدارس ومخيمات النزوح، مؤكدة أن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الغذاء والدواء والمأوى.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم آثارها، تتحول الألوان داخل خيام النزوح إلى لغة بديلة للحياة، تحمل ما تعجز الكلمات عن قوله، وتمنح الأطفال نافذة صغيرة للأمل وسط واقع ثقيل.
ــ
إ.ر


