غزة 12-4-2026 وفا- صفاء البريم
بعد مرور ستة أشهر على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل إسرائيل انتهاكاتها له، سواء عبر القصف شبه اليومي ميدانيًا، أو عبر التهرب من الالتزام بالبنود المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والإعمار، وسط تحذيرات دولية من تدهور الأوضاع في القطاع.
ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي شنّتها إسرائيل على القطاع في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
مصادر طبية في قطاع غزة أشارت إلى أن الخروقات الإسرائيلية، منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، تجاوزت ألفي خرق، وأسفرت عن استشهاد 738 فلسطينيا وإصابة 2036.
ووفقا لتلك المصادر فقد ارتفع عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال الإبادة الإسرائيلية إلى 72 ألفا و317 شهيدا، إضافة إلى 172 ألفا و158 مصابا.
ويجلس المواطن أبو محمد شراب وسط مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة قرب كومة الأنقاض التي كانت يوماً منزله قبل أن يقوم الاحتلال بقصفه على رؤوس ساكنيه، ويقول: "أحاول منذ أن بدأت الهدنة استعادة جثث أطفالي الثلاثة عمر، ويامن، وبيسان التي ما زالت عالقة تحت أطنان الخرسانة. لقد تمكنت من دفن زوجتي وابنتي راما، لكن البقية بقوا هناك".
ويضيف: "هذه كتل خرسانية ضخمة. لا يمكنني فعل هذا فأنا بحاجة لمعدات ثقيلة لرفع الركام، كيف يمكنني فعل ذلك وحدي؟، فقد مضى نحو عام على استشهادهم"، يقول الأب المفجوع.
لقد نجا هو نفسه بصعوبة بعد أن انتشله رجال الإنقاذ من تحت الأنقاض، لكن أطفاله استشهدوا.
في الوقت الذي كان من المفترض أن تسمح الهدنة بدخول آليات ثقيلة للبحث عن المفقودين، إلا أن إسرائيل منعت ذلك.
ووفقا لمصادر فإنه لا تزال هناك حوالي 10 آلاف جثة مفقودة تحت الأنقاض في جميع أنحاء القطاع.
أما فاتن الفجم، النازحة من شرق خان يونس، فإن الخطر أكبر بكثير، حيث يقع حيها بالقرب ممن يسميه جيش الاحتلال الإسرائيلي "المنطقة الصفراء" - وهي مناطق محظور على الفلسطينيين دخولها. فتقول "رغم إعلان وقف النار إلا أنهم يطلقون النار بشكل عشوائي تجاهنا".
وتضيف بصوت مرهق: "يمنعوننا من الاقتراب ويطلقون النار على أي مركبة تحاول الاقتراب من أرضنا. كيف يمكننا العودة ونحن نعرف أننا قد نموت في الطريق؟".
وتخرج هاتفاً قديماً وتعرض صورة لمنزلها المدمر: "حتى لو سمحوا لنا بالعودة، أين سنعود؟ لا ماء، لا كهرباء، لا مدارس. بيتي أصبح كومة ركام، لقد دمروا كل شيء".
ويشار إلى أن "الخط الأصفر" هو المناطق المستحدثة التي احتلها الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة خلال الحرب على القطاع التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويرفض الانسحاب منها، فارضا من خلالها منطقة عازلة أو ما يعرف بـ"الحزام الأمني" الذي يمتد على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع.
ولفت تقرير منظمة أطباء بلا حدود إلى أن المساحة التي يعيش فيها الناس في القطاع تتقلص باستمرار، مؤكدا أن "الخط الأصفر -الذي يشكل نحو 58% من مساحة القطاع- غير محدد بوضوح، ويتحول باستمرار غربا إلى البحر، ما يضغط على مئات الآلاف من الناس في رقعة صغيرة من الأرض مكتظة (بالسكان)، حيث أصبح محيط الخط الأصفر منطقة قتل".
أما الشابة ضحى حمادة فتعيش هي وعائلتها في خيمة في مواصي القرارة جنوب قطاع غزة، بعد أن دمر القصف الإسرائيلي بيتها، فتقول "بعد ستة أشهر من الهدنة، لم أشهد تحسنًا يُذكر في حياتي اليومية".
وتتابع: " نفس المعاناة مستمرة من البحث عن الماء، إلى انتظار المساعدات التي لا تأتي، والخوف المستمر على أطفالي من القصف والأمراض والقوارض المنتشرة بين الخيام".
وقد سلط تقرير حديث صادر عن منظمة أطباء بلا حدود الضوء على الأوضاع الكارثية التي يعيشها السكان في قطاع غزة.
وقالت المنظمة في تقريرها: "بعد 6 أشهر من تنفيذ وقف إطلاق النار الهش وغير الفعال في غزة، تدق منظمة أطباء بلا حدود ناقوس الخطر بشأن استمرار الهجمات العنيفة التي تشنها القوات الإسرائيلية والسيطرة العسكرية الآخذة في التوسع باستمرار على القطاع."
وأشارت مديرة الطوارئ في أطباء بلا حدود كلير سان فيليبو، إلى أن وقف إطلاق النار "فشل في إنهاء الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة"، لافتة إلى أن الناس في غزة يعانون نقصا في المياه النظيفة، والغذاء، والكهرباء، والوصول إلى الرعاية الصحية، حيث يتعرض النظام الصحي المتهالك لمزيد من الخنق".
وأضافت: "في الوقت نفسه، تمنع إسرائيل أيضا معظم عمليات الإجلاء الطبي للمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة خارج غزة. في الوقت الحالي".
أما المسنة نعيمة حنودة فتخرج برفقة أحفادها الصغار شادي، وفادي، اللذين يتسلقون أكوام الركام بحثاً عن قطع الخشب لإشعال النار وإعداد الطعام لهم، حيث تمنع سلطات الاحتلال إدخال الوقود وغاز الطهي إلى غزة، رغم من إعلان وقف النار، وتقول: "لم يعد الطفل يقول أريد الذهاب إلى الروضة أو المدرسة، بل يقول أريد الذهاب لجلب الماء أو الطعام أو طرود غذائية. حلم الطفل تلاشى".
وتعيش نعيمة وأحفادها بعد استشهاد والديهم في خيمة على أنقاض منزلها المدمر بالكامل في مخيم خان يونس. تصف لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار: "دمعة فرح ودمعة حزن سقطتا من عيني". فرحة بانتهاء القصف، وحزن على من فقدتهم وعلى المنزل الذي لم يعد له وجود. وتضيف بقولها" سرعان ما تلاشت تلك المشاعر بعد وقت قصير حيث يعود القصف بين الوقت والآخر، واستدركت أنها هدنة مزيفة، وسنعيش مزيدا من الخوف والقلق والقهر".
وتشير مصادر محلية إلى" أن الاحتلال الإسرائيلي يستمر في انتهاك البروتوكول الإنساني، خاصة فيما يتعلق بإدخال المساعدات، حيث أن الاتفاق نص على دخول 600 شاحنة يوميا، وما يدخل فعليا لا يتجاوز 39% من هذا العدد، مع انخفاض خطير في إدخال الوقود إلى نحو 14.9% فقط من الكميات المطلوبة، ما يسهم في تعطيل الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ويُعمّق الأزمة الإنسانية.
في وقتٍ يستمر فيه الاحتلال بهدم المنازل والمنشآت، وعرقلة جهود إعادة الإعمار، ومنع إدخال المواد اللازمة لذلك.
وعن عائلة الطفلة "لمى أبو ريدة" (5 أشهر)، فتقول: "كان الأمل يلوح في الأفق عندما أُبلغونا بأنها مؤهلة للسفر للعلاج في الخارج، فهي لا تستطيع التنفس بدون جهاز أكسجين. لكن إسرائيل أغلقت المعبر فجأة في 28 شباط الماضي، ما أدى إلى تعليق آمالنا في شفائها".
وتقول والدة لمى بحزن: "أخبروني أن قوات الاحتلال أغلقت المعبر ثم تم فتحه بعد ايام بسبب الحرب، ابنتي لا يمكنها الاستغناء عن الأكسجين، حياتها تعتمد على عملية جراحية واحدة. إذا تأخر سفرها أكثر... لا أعرف ماذا قد يحدث".
وتشير مصادر محلية إلى أن الاحتلال يواصل تعطيل العمل في معبر رفح البري، وفرض قيود تعسفية على حركة المسافرين، خاصة المرضى والجرحى، وتشير البيانات إلى أن نسبة الالتزام في تسهيل حركة المسافرين لم تتجاوز (25%)، مع استمرار عرقلة عمليات الإجلاء والعلاج، في انتهاك صارخ للحق في الصحة والحياة.
وبعد أشهر من الانتظار في ظل حرب مدمرة، لا يزال آلاف المرضى والجرحى والطلبة في غزة ينتظرون دورهم لمغادرة القطاع عبر معبر رفح لتلقي العلاج والتعليم، رغم إعلان وقف إطلاق النار وإعادة فتح المعبر بشكل محدود في شباط الماضي.
كما يشهد القطاع الصحي انهيارًا متسارعًا نتيجة نقص الإمدادات الطبية، ومنع الاحتلال إدخال المعدات والآليات اللازمة، إلى جانب الضغط الهائل الناتج عن أعداد المصابين.
ــــــ
/ م.ل


