أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 09/04/2026 09:39 م

كيف سلب المستعمرون حياة علاء وأرضه

الشهيد علاء صبيح
الشهيد علاء صبيح

 

طوباس 9-4-2026 وفا- إسراء غوراني

قبل عشرة أيام، اشترى الشاب علاء صبيح (28 عاما) من قرية تياسير شرق طوباس ثلاثة رؤوس من الماشية لتعينه على تحمل مشقات ونفقات الحياة المتزايدة في ظل وضع اقتصادي صعب، مستغلا سكنه في منطقة ريفية على أطراف قريته، لكن في اليوم ذاته أقام مستعمرون خيمة على بعد مئات الأمتار عن منزله لتكون نواة لبؤرة استعمارية رعوية.

في أعقاب ذلك نشأ تصور لدى الشاب وعائلته أن هذه البؤرة ستحول دون الاستفادة من المواشي التي لن تجد سبيلا للرعي، كما ستؤدي إلى تآكل مصادر رزقهم الزراعية تدريجيا، حيث تزرع العائلة دفيئة بالخضراوات على مسافة مئة متر تقريبا من البؤرة المقامة.

لكن ما حدث ليلة أمس فاق في فظاعته أصعب توقعات العائلة، بعد استشهاد علاء برصاص مستعمري هذه البؤرة، الذين هاجموا أطراف القرية، فيما قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باحتجاز جثمانه بعد ذلك.

عند وصولنا إلى منزل عائلة الشهيد، كان والده وشقيقه الأكبر يقفان في الخارج، محاطان بمجموعة من رجال القرية، بدت وجوههم جميعا شاحبة، فما زاد من فظاعة جريمة قتل الشاب بدم بارد هو احتجاز الجثمان وحرمان العائلة من توديع شهيدهم ومواراته الثرى.

وفي الباحة الخارجية للمنزل المطل على وادي تياسير، حيث تركزت الاعتداءات الأخيرة للمستعمرين، كانت والدة الشهيد (أم محمد) تجلس في حالة صعبة بينما تحيط بها قريباتها ونساء قريتها.

وما بين سيل الدموع وحالة الصدمة، كان يتكرر على لسانها جملة وحيدة: "أعيدوا لي جثمان ابني"، جملة تلخص مرارة الفقد التي تضاعفت بسبب احتجاز جثمان نجلها وحرمانها حتى من نظرة الوداع.

في خضم حزنها، تتحدث الوالدة عن الصفات الفريدة لنجلها الشهيد، وهو الابن الثاني بين أربعة أشقاء ذكور، وشقيقة وهي هناء من ذوي الإعاقة.

تصف الأم نجلها الشهيد بأنه كان مطيعا حنونا على والديه وأشقائه، مضيفة: "بالأمس اصطحب شقيقته هناء إلى الدكان واشترى لها بعض الحاجيات، كان يعاملها بكثير من العطف والرقة ويرأف لحالتها الخاصة".

كما أن علاء، وفقا لوالدته، لم يكن يتأخر يوما عن زيارة جده وجدته، ويسعى دوما في خدمتهما.

وحول تفاصيل اللحظات الأخيرة لحياة الشهيد علاء، تقول الأم إن نجلها عاد مساء أمس من منزل جده في منطقة أخرى من القرية، تناول طعام العشاء وغادر لتفقد الأضرار التي حلت بدفيئتهم الزراعية، حيث شهدت القرية سلسلة اعتداءات من المستعمرين على أراضي المواطنين ودفيئاتهم الزراعية.

خلال ذلك هاجم المستعمرون المنطقة مرة أخرى، واندلعت مواجهات بينهم وبين الأهالي، ليطلقوا الرصاص صوب علاء.

عند هجوم المستعمرين واندلاع المواجهات، ورد لطواقم الإسعاف بلاغ عن وجود إصابة في المنطقة. حاولت فرق الإسعاف الوصول، لكن قوات الاحتلال احتجزت المسعفين لأكثر من ساعتين، ومنعتهم من الوصول إلى المصاب، هذا ما صرحت به جمعية الهلال الأحمر في بيان مقتضب عقب الجريمة. بعد ذلك تم تبليغ الجهات الرسمية باستشهاد الشاب واحتجاز جثمانه.

ويواجه أهالي تياسير منذ شهر آذار المنصرم كابوسا مؤرقا، حيث بدأ شبح الاستعمار بالزحف إلى قريتهم، عندما أقدم مستعمرون على وضع خيمة بمثابة نواة لبؤرة استعمارية رعوية في منطقة وادي تياسير على أطراف القرية، وشرعوا من خلالها بتنفيذ سلسلة اعتداءات على العائلات المقيمة في المنطقة.

أزيلت هذه الخيمة أكثر من مرة، وأعاد المستعمرون نصبها ثلاث مرات في مناطق قريبة، حتى أعاد المستعمرون ذاتهم قبل عشرة أيام نصب خيمة في الموقع الحالي بين قريتي تياسير والعقبة.

ومن هذا الموقع بدأت الاعتداءات تتخذ منحى أكثر شراسة، من الاعتداءات اليومية المنظمة وصولا إلى استشهاد الشاب صبيح.

ومن اللافت في معظم اعتداءات المستعمرين الأخيرة وجود دور لجيش الاحتلال، الذي يتدخل عادة لصالح المستعمرين، وهو ما يعكس تكامل الدور الوظيفي.

وحول خطورة ذلك، يشير المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة، إلى أن الناطق باسم جيش الاحتلال قد أشار في بيان له صباح اليوم أن من أطلق النار على الشهيد صبيح هو جندي في إجازة، وهذا يؤكد دور "الجنود المستعمرين" في عمليات القتل، والتي تكررت في عدة مواقع في الضفة الغربية مؤخرا.

ويضيف أنه يلاحظ من البيان أن جنود الاحتلال يقضون إجازاتهم في البؤر الاستعمارية ويمارسون نشاطات استعمارية، وبالتالي يقتلون الفلسطينيين أحيانا بالزي العسكري وأحيانا أخرى بزي المستعمرين.

كما تطرق دراغمة إلى تقرير قناة CNN الأمريكية، الذي نشر مؤخرا ووثق اعتداء جنود الاحتلال على الطاقم المعد للتقرير في منطقة تياسير، وتم توثيق حوار جنود الاحتلال مع المراسل خلاله، أكدوا فيه دورهم في حماية المستعمرين والبؤرة الاستعمارية حتى تصبح شرعية.

ونوه إلى وجود تكامل في الأدوار بين المستوى السياسي للاحتلال والمستعمرين، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض قائمة على تعزيز الاستعمار.

ووفق الاحصائيات الحديثة لدى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استشهد 9 مواطنين في الضفة الغربية برصاص المستعمرين منذ بداية العام الجاري وحتى أواخر شهر آذار الماضي، كما وصل عدد الشهداء برصاص المستعمرين منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 44 شهيدا.

كما تشير معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤن الإنسانية "أوتشا"، "أنه خلال العام الماضي 2025، وثق المكتب أكثر من 1,800 هجمة شنّها المستعمرون وأسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات في نحو 280 تجمعا سكانيا في شتى أرجاء الضفة الغربية، وخاصة في محافظات رام الله ونابلس والخليل. ويمثل ذلك متوسطا يبلغ خمس حوادث في اليوم، وهو أعلى متوسط يومي منذ شرع المكتب في توثيق هذه الحوادث في سنة 2006".

وتضيف المعطيات ذاتها: "أدت هذه الهجمات إلى إصابة 1,190 فلسطينيا، من بينهم 838 شخصا (70 في المائة) أُصيبوا على يد المستعمرين الإسرائيليين، و339 شخصا (28 في المائة) على يد القوات الإسرائيلية، و13 شخصا لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت إصاباتهم ناجمة عن المستوطنين أم القوات الإسرائيلية. ومن بين 838 فلسطينيا أصابهم المستعمرون الإسرائيليون في سنة 2025 – وهو متوسط يبلغ فلسطينيين مصابين في كل يوم – وقع نحو 60% من هذه الإصابات في محافظتي رام الله (267 إصابة) والخليل (223 إصابة)".

ـــــ

ا.غ/ر.ح

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا