رام الله 31-3-2026 وفا- رصدت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" التحريض والعنصرية في وسائل الإعلام الإسرائيلية، في الفترة ما بين 22 و28 آذار/مارس الجاري.
وتقدم "وفا" في تقريرها رقم (457) رصدا وتحليلا للخطاب التحريضي والعنصري في الإعلام الإسرائيلي، الذي يعكس استمرار التحريض ضد شعبنا الفلسطيني، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة كذلك داخل أراضي الـ48، إضافة إلى التحريض على السلطة الوطنية الفلسطينية، والترويج لسياسات العقاب الجماعي والضم والاستعمار.
زعم تحقيق نشرته صحيفة "مكور ريشون" تحت عنوان: "السلطة الفلسطينية تبني قوة كوماندوز لشن هجوم مباغت على إسرائيل"، أن عشرات آلاف المسلحين، والتدريبات في الخارج، ووحدات الكوماندوز المخصصة، تشير إلى بناء قوة هجومية في الضفة الغربية، هدفها مهاجمة دولة إسرائيل.
ويعتمد التحقيق على معطيات من جمعية "رغافيم" الاستيطانية المعروفة بنشاطها وعدائها للفلسطيني، ويبني سردية أمنية تُحوّل الفلسطيني من فاعل سياسي إلى تهديد عسكري شامل، عبر نزع الشرعية عن مؤسساته وتصويرها كـ"جيش ظل" يعمل للإبادة، ما يبرر مسبقًا أي إجراءات عقابية أو تصعيدية ضده. في المقابل، يُعاد إنتاج خطاب يُبرّئ المستوطنين من العنف عبر تجاهل سياقه البنيوي، ويُعزّز تفوقًا أخلاقيًا مزعومًا ينزع الشرعية عن القيادة الفلسطينية ويقدّمها كواجهة خادعة بدل كونها طرفًا سياسيًا.
ونُشرت المعطيات التحريضية ذاتها في صحيفة "يسرائيل هيوم" تحت عنوان: "المخاوف: «الشريك الإستراتيجي» قد يتحول إلى تهديد كبير لإسرائيل"، حيث زعمت الصحيفة استنادا إلى معلومات من جمعية "رغافيم" الاستيطانية أن "أجهزة الأمن الفلسطينية، التي أُقيمت بأموال غربية من أجل حفظ النظام في الضفة الغربية، تحولت إلى قوة عسكرية مدرّبة تضم 60 ألف مقاتل".
ونشر موقع القناة (12) الإسرائيلية، مقالا تحريضيا ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، جاء فيه: "بعد ثلاثين عامًا على أوسلو، تموّل السلطة الفلسطينية الإرهاب، وتحرّض ضد إسرائيل، كما أن مؤسساتها الأمنية تخلق خطرًا سنضطر إلى التعامل معه في المستقبل".
ولا يكتفي المقال بتصوير السلطة الفلسطينية كعبء أمني، بل يستخدم ذلك لهدم أي احتمال لتسوية سياسية، عبر تثبيت مقولة أن الفلسطيني ليس شريكًا للاتفاق بل مصدر تهديد دائما، وبذلك يجري نزع الشرعية عن القيادة الفلسطينية وعن أي مشروع وطني أو تمثيلي يمكن أن يقود إلى حل سياسي.
وفي المقابل، يُخفى السبب المركزي لاستمرار الصراع، أي استمرار السيطرة الإسرائيلية والاستيطان ورفض إنهاء الواقع القائم، فتُنقل المسؤولية كاملة إلى الطرف الفلسطيني، ويُستخدم خطاب "انعدام الشريك" أداة لتبرير الإبقاء على هذا الواقع وتوسيعه بدل معالجته سياسيًا.
وفي مقال نشرته صحيفة "مكور ريشون" للكاتب أبراهام شلو تحت عنوان: "هذه فرصة تاريخية لبدء تحرير القدس من نفوذ أجنبي معادٍ"، جاء فيه أن "حكومة إسبانيا، بقيادة بيدرو سانشيز من اليسار المتطرف، تنتهك القانون الدولي عندما تدير قنصلية لـ«فلسطين» من شرقي العاصمة، وتمس بالسيادة الإسرائيلية. والآن، في وقت يشتد فيه غضب ترمب على مدريد، يمكن وضع حد لهذا العبث".
وينسجم الخطاب في المقال مع المحاولات الإسرائيلية لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، لأنه يحوّل القدس ومقدساتها إلى ملف سيادة وأمن فقط، وينزع عن الفلسطيني أي حق سياسي أو ديني فيها. وبهذا المعنى، فإن إغلاق الأقصى بذريعة أمنية لا يبدو إجراءً عابرًا، بل جزءًا من مسار أوسع لفرض واقع جديد يقيّد الوجود الفلسطيني ويعيد تعريف المكان وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها.
ونشرت الصحيفة ذاتها مقالا للوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش تحت عنوان: "حملة كاذبة، لكن واجب اجتثاث العنف حقيقي"، قال فيه: "لا يجوز الانجرار وراء حملة كاذبة تسعى إلى تصوير الاستيطان وإسرائيل كلها كمشروع غير أخلاقي وسياسي، لكن لا يجوز أيضًا تجاهل وجود ظواهر عنف على الهامش تُعرّض مشروع الاستيطان بأكمله للخطر ويجب اقتلاعها من جذورها".
خطورة هذا المقال أن كاتبه هو الوزير المسؤول عن ملف الاستيطان نفسه، ومع ذلك يستخدم موقعه لتبييض عنف المستوطنين وبطشهم عبر تقديمه كـ"هامش" طارئ لا كنتيجة طبيعية لمشروع استيطاني تدفعه الحكومة وتحميه. وبهذا المعنى، فهو لا يدين العنف بقدر ما يسعى إلى حماية شرعية الاستيطان سياسيًا وأخلاقيًا، عبر تبرئة المستوطنين من المسؤولية البنيوية عن الإرهاب اليومي الواقع على الفلسطينيين.
وتحت عنوان: "صهيونية 2026: مشروع المزارع"، نشرت صحيفة يديعوت آحرونوت مقالا للكاتب عميحاي أتالي، قال فيه إن "المزارع في الضفة الغربية هي الدرع الواقية التي تحمي دولة إسرائيل من هجوم فلسطيني في جميع أنحاء البلاد".
ويسعى المقال إلى تبييض الاستيطان ويقدّم مشروع البؤر الرعوية والزراعية الاستيطانية كدرع أمنية وصهيونية، بينما هو في الحقيقة يشرعن السيطرة على الأرض بالقوة ويحوّل الاستيطان الرعوي إلى أداة لتهجير الفلسطينيين وتجريدهم من حقهم في المكان. كما أنه يبني تحريضًا صريحًا عبر تصوير الفلسطينيين كخطر جماعي دائم، ويمنح العنف الاستيطاني غطاءً أخلاقيًا وأمنيًا، بما يرسّخ مشروع الضم ويقضي على أي إمكانية لتسوية سياسية.
ونشرت صحيفة "معاريف" مقالا للبروفيسور أريئيل ميراري تحت عنوان: "عقوبة الإعدام للمخربين لن تردع الإرهاب – وقد تُلحق ضررًا فعليًا بإسرائيل"، جاء فيه: "رغم الغضب، تشير الأبحاث إلى أن عقوبة الإعدام للمخربين لا تردع الإرهاب، بل قد تضر – عبر تشجيع التجنيد في التنظيمات، واستخدامها أداة دعائية، وخلق مخاطر اختطاف للضغط على إسرائيل".
وعلى الرغم من أن النص يعارض عقوبة إعدام الأسرى، فإنه يبقى محصورًا بالكامل داخل المنظور الأمني الإسرائيلي الذي يتعامل مع الفلسطيني فقط بوصفه "مخربًا"، من دون أي مساءلة للسياق السياسي الذي ينتج العنف أصلًا. وبذلك، فهو لا يفكك بنية التحريض بقدر ما يقترح إدارة أكثر نجاعة لها، إذ ينقل النقاش من العدالة والحقوق وإنهاء السيطرة الإسرائيلية إلى سؤال تقني ضيق: ما العقوبة الأكثر فاعلية في ضبط الفلسطيني وردعه؟.
وفي القناة (14) الإسرائيلية، كتبت نعومي راخليس مقالا مسموما بعنوان: "نخبة في نابلس يخططون لعمليات خطف، لكن في إسرائيل يحاربون الاستيطان"، زعمت فيه: "لم أجد في المنظومة السياسية ردودًا على إحباط خلية الخطف في نابلس، لأنه حتى اليسار اعتاد أن العرب يقتلون. فلماذا إذًا يهمهم إلى هذا الحد أن يواصلوا تضخيم حملة «عنف المستوطنين»، التي بدأت تتسلل حتى إلى معسكر اليمين؟".
يقوم المقال على تحريض صريح وعنصري، إذ يعامل الفلسطيني والعربي كتهديد طبيعي ومفهوم مسبقًا، ويحوّل الحديث عن الخطف والعنف إلى أداة لتعميم الكراهية ونزع الإنسانية عن مجتمع كامل، مع شيطنة أي صوت سياسي أو إعلامي لا ينسجم مع هذا الخطاب. وفي الوقت نفسه، يسعى إلى تبييض المستوطنين ونفي العنف المنظم الذي يمارسونه، عبر تصوير نقدهم كـ"افتراء" من اليسار، وبذلك لا يكتفي بالدفاع عن الاستيطان، بل يهاجم كل محاولة لمساءلته ويمنح مزيدًا من الشرعية للبطش ضد الفلسطينيين.
وسلط تقرير "وفا" الضوء على كيفية تناول الإعلام الإسرائيلي لقضية مقتل المستوطن يهودا شموئيل شيرمان قرب مستوطنة "حومش"، بعد أن دعسه شاب فلسطيني في حادث ما زال قيد التحقيق. ورغم أن المعطيات الأولية ومعظم القرائن تشير إلى حادث سير، حذّر محامي الشاب من أن الإعلام الإسرائيلي يروّج منذ اللحظة الأولى لخطاب الضحية ويتعامل مع موكله كأنه "إرهابي" قبل انتهاء التحقيق.
عمليًا، أظهرت التغطية انحيازًا واضحًا في معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى رواية العائلة والمستوطنين، مع تبنّي توصيفات وحمولات سياسية وأمنية سبقت نتائج التحقيق. الاستثناء الأبرز كان صحيفة "هآرتس"، التي عرضت زوايا نظر مختلفة وتطرقت إلى الروايات المتعددة.
وفي أبرز العناوين التي تصدرت التغطية الإعلامية بعد نشر الخبر، كتب "واينت"، الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت آحرونوت": ("شاب أحب أرض إسرائيل بكل جوارحه"، يهودا، الذي قُتل في السامرة، شيع جثمانه)، وكتب موقع ماكو: (العائلة: شيرمان قتل في عملية عدائية، المخرّب اعترف وأعاد تمثيل الجريمة)، سروغيم: (العملية الدموية في السامرة، تشييع جثمان يهودا شيرمان)، القناة 14: (يهودا شيرمان قتل مرتين، مرة على يد الإعلام ومرة على يد المخربين)، معاريف: (الكشف، مقتل يهودا شيرمان- عملية دعس عدائية)، يسرائيل هيوم: (عملية عدائية في السبت، يهودا شمويل شيرمان قتل دعسًا من مركبة فلسطينية).
التحريض والعنصرية في العالم الافتراضي
وفي منشور على صفحته الرسمية بمنصة "إكس"، كتب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير: "تم إنشاء قسم مكافحة التحريض في الشرطة بناءً على طلب الشرطة، ويعمل منذ بداية الحرب على تحديد محرّضي الإرهاب على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف القبض عليهم فورًا. يُعد هذا القسم أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى الانخفاض الكبير في الهجمات الإرهابية، ونتيجةً لذلك، كان شهر رمضان هذا العام الأكثر هدوءًا في العقد الماضي. لذا، فإن المقصود هو أن المستشارة القضائيّة ترغب في زيادة الهجمات الإرهابية في إسرائيل. وستكون دماء ضحايا هذه الهجمات في رقبتها مباشرةً".
ويقصد بن غفير بالمحرضين، المواطنين العرب في الداخل، الذين يعبرون عن آرائهم السياسية وانتمائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي منشور آخر، أعرب بن غفير عن دعمه لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بعد إقراره في لجنة الأمن القومي في "الكنيست" قبل عرضه على الهيئة العامة، وقال: "خطوة إضافية في الطريق للعدالة التاريخيّة!!!".
وأعادت عضو "الكنيست" عن حزب "قوة يهودية" ليمور سون هارميلخ، نشر تغريدة لموقع "سروغيم" جاء فيها: ("قانون الإعدام بحق المخربين هو قانون شعبٍ يتوق إلى الحياة": شهادة مؤثرة لعضو الكنيست ليمور سون هارميلخ حول المخرّب الذي قتل زوجها).
وشارك عضو "الكنيست" ورئيس حزب "يسرائيل بيتينو" أفيغدور ليبرمان تغريدة للمحللة السياسية شيريت افيطان كوهن، حول مطالبته بتفعيل أنظمة حماية للمستوطنين في الضفة. وجاء فيها: "تزداد قوة أجهزة الأمن الفلسطينية، وتتحول فعلياً من قوة شرطة إلى قوة عسكرية، بما في ذلك وحدات كوماندوز متخصصة في حرب المدن والاقتحام السريع. علينا منع تكرار أحداث السابع من أكتوبر".
وعلّق السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون على خطاب المقررة الأممية فرنشيسكا ألبانيز حول السجون الإسرائيلية والتعذيب فيها، في منشور على منصة "إكس"، وقال: زعمت فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة التي شاركت في مؤتمرات مع قادة حماس، والتي تعمل منذ فترة طويلة بشكل منهجي ضد دولة إسرائيل، أن إسرائيل تخلق "بيئة تعذيب" خارج أسوار السجون. تُثبت ألبانيز باستمرار أنها لا تُعنى بحقوق الإنسان، بل بنشر ادعاءات كاذبة ضد إسرائيل، وتفعل ذلك، من بين أمور أخرى، عبر ترويج اتهامات لا أساس لها من الصحة. تواصلتُ مع المتحدث الرسمي باسم الأمم المتحدة، مطالبًا إياها بالتوقف فورًا عن استخدام قنوات الأمم المتحدة الإعلامية لنشر أكاذيبها!".
ــــ
ع.ف


