الرئيسية أخبار دولية
تاريخ النشر: 06/11/2026 08:50 ص

"فانا": نساء السودان في زمن الحرب.. صمود يصنع الأمل ومسارات للتعافي

 

الخرطوم 6-11-2026 وفا- تنشر وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، بالتعاون مع اتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)، تقريرا أعدته وكالة السودان للأنباء، ضمن نشرتها النسوية، بعنوان: " نساء السودان في زمن الحرب.. صمود يصنع الأمل ومسارات للتعافي"، وهذا نصه:

ظلت المرأة السودانية عبر العصور رمزاً للعزة والشموخ، وركناً أصيلاً في بناء المجتمع وصناعة تاريخه. فقد سطّرت حضورها في صفحات التاريخ منذ الممالك السودانية القديمة، وتجلّى دورها في المجالات الوطنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ولم تكن مجرد شاهدة على مسيرة الوطن، بل شريكاً فاعلاً في صنع أحداثه، وحارسة لقيمه وهويته، ومربية للأجيال وصانعة للأمل في أحلك الظروف.

وجمعت المرأة السودانية بين قوة الموقف ونبل العطاء، وظلت مثالاً للصبر والصمود والتضحية، مسهمة في تشكيل حاضر السودان واستشراف مستقبله.

ولم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية أوقفت عجلة الحياة وأربكت مؤسسات الدولة، بل أحدثت تحولات عميقة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفرضت على المرأة السودانية واقعاً استثنائياً ومسؤوليات مضاعفة، تجاوزت رعاية الأسرة إلى البحث عن مصادر الدخل، وإدارة الأزمات، وابتكار وسائل جديدة للصمود والاستمرار.

وفي خضم هذه التداعيات، لم تكن المرأة السودانية مجرد ضحية للحرب أو شاهدة على فصولها القاسية، بل تحولت إلى قوة فاعلة في مواجهة الأزمة، وحماية المجتمع من التفكك، وتأمين مقومات الحياة للأسر المتضررة.

ومن المبادرات الإنسانية والتكايا والمطابخ الجماعية، إلى استمرار تقديم الخدمات الصحية، وإطلاق المشروعات الاقتصادية والإنتاجية، برزت المرأة السودانية نموذجاً للصمود والمبادرة والعطاء، مؤكدة قدرتها على مواجهة التحديات والإسهام في صناعة الأمل وفتح آفاق التعافي وإعادة البناء.

وفي ظل فقدان الوظائف وتوقف المؤسسات وتضرر الأسواق والنزوح، اتجهت قطاعات واسعة من النساء إلى تأسيس مشروعات صغيرة وإحياء أنشطة إنتاجية منزلية، والاستفادة من الوسائط الرقمية في التسويق والترويج للمنتجات والخدمات، فضلاً عن إدارة منصات تسويقية وإعلامية أصبحت نافذة للعمل والتواصل وتوفير مصادر دخل بديلة.

المرأة السودانية.. مسيرة ممتدة من المشاركة والإنجاز

وتأتي هذه التحولات امتداداً لمسيرة طويلة من مشاركة المرأة السودانية في الحياة العامة وسوق العمل، بدأت مع انتشار تعليم البنات مطلع القرن العشرين. فقد افتُتحت أول مدرسة للبنات بمدينة رفاعة عام 1907، تلتها كلية المعلمات بأم درمان عام 1921، لتبدأ المرأة السودانية رحلة متصاعدة من المشاركة والتفوق في المجالات الأكاديمية والعلمية والبحثية.

وتخرجت أول طبيبتين سودانيتين عام 1952، واتسع بعدها حضور النساء في التعليم والصحة والقانون والإدارة والإعلام والسياسة، إلى جانب الزراعة والتجارة والعمل الحر.

كما حققت المرأة السودانية حضوراً مؤثراً في المؤسسات المهنية والعدلية والقضائية، وتولت مواقع قيادية في السلطة القضائية والنيابة العامة والمحاكم، فضلاً عن المناصب الاقتصادية والإدارية العليا، بما في ذلك رئاسة البنك المركزي، إلى جانب إدارتها للمراكز والمؤسسات الخدمية والفنية.

وأسهمت المرأة كذلك في تأسيس المشروعات الخاصة والأنشطة الاقتصادية الصغيرة، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية والحرف اليدوية والإنتاج الزراعي والتجارة، رغم أن جانباً كبيراً من هذا النشاط ظل خارج إحصاءات التوظيف الرسمي.

وعلى المستوى التشريعي والبرلماني، دخلت المرأة السودانية البرلمان عام 1965، وتزايد حضورها في المؤسسات التشريعية مع تطور التجربة السياسية، وصولاً إلى ارتفاع نسبة تمثيلها إلى 18% عام 1999، ثم 25% في انتخابات 2010، و30% عام 2015، وفق البيانات الواردة في التقرير.

وأسهم هذا الحضور في تعزيز مشاركة المرأة في التشريع ومناقشة القوانين واللوائح المنظمة للعمل والحياة العامة.

وتضمن قانون الخدمة المدنية القومية لسنة 2007 أحكاماً تتعلق بالمساواة في الأجر عن العمل المتساوي، والترقي وفق المؤهلات والإنجاز، وإجازة الأمومة وبعض الترتيبات الخاصة بالأمهات المرضعات، غير أن تطبيق هذه الحقوق ومدى شمولها للعاملات في القطاعات غير المنظمة ما زالا من أبرز التحديات.

وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن مشاركة النساء في القوى العاملة بالسودان بلغت نحو 14.5% عام 2022، مقابل 61.6% للرجال.

ولا تعكس هذه النسبة بصورة كاملة حجم مساهمة النساء في الأنشطة المنزلية والزراعية والأعمال الأسرية والتجارة الصغيرة، التي تمثل مصادر مهمة للدخل والمعيشة.

ومع استمرار الحرب منذ عام 2023، تراجعت إمكانية الحصول على بيانات حديثة تعكس حجم التحولات في سوق العمل، في ظل تآكل الهياكل الاقتصادية وتعطل المؤسسات والموارد الوطنية، بما فيها القوى البشرية التي تمثل المرأة جزءاً أساسياً منها.

الحرب وإعادة تشكيل واقع المرأة العاملة

أدت الحرب إلى اضطرابات واسعة في سوق العمل، نتيجة توقف المصانع والمؤسسات والأسواق، وتضرر البنية التحتية وتعطل المصارف وطرق النقل، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من العاملين وأسرهم، الأمر الذي تسبب في فقدان الوظائف ومصادر الدخل لآلاف الأسر.

وفي مواجهة هذه الظروف، لم تنتظر المرأة السودانية وصول المساعدات الخارجية، بل بادرت إلى ابتكار آليات نابعة من المجتمعات المحلية، مستندة إلى خبرتها وحسها بالمسؤولية المجتمعية، لتقدم نموذجاً في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم التكافل والتراحم خلال الأزمات.

وتجلى هذا العطاء في المبادرات النسائية لإغاثة المتضررين في مناطق النزاع والنزوح، حيث برزت التكايا والمطابخ الجماعية وغيرها من المبادرات التي أصبحت جزءاً من منظومة الإغاثة المجتمعية، إلى جانب السعي لإيجاد مصادر دخل بديلة للأنشطة التجارية والاقتصادية التي فقدتها النساء.

وفي ظل صعوبة وصول بعض وكالات الإغاثة وسلاسل الإمداد إلى المناطق المتضررة، أسهمت النساء في تأسيس وإدارة التكايا والمطابخ الجماعية داخل الأحياء ومراكز النزوح، لتوفير الغذاء للفئات الأكثر احتياجاً.

وامتد هذا الدور إلى القطاع الصحي الذي تعرض للتدمير والنهب والحرق، حيث شكلت الكوادر الطبية والتمريضية والفرق التطوعية النسائية ركيزة مهمة في استمرار تقديم الخدمات الصحية داخل المستشفيات ومراكز الإيواء ومخيمات النزوح واللجوء.

ولم يقتصر هذا الحضور على المجالات الإنسانية والإغاثية، بل امتد إلى الاقتصاد والإعلام والحياة الاجتماعية، داخل السودان وفي دول الجوار التي استضافت موجات من اللاجئين.

ورغم فقدان الممتلكات وتدمير رؤوس الأموال والمنازل، سعت آلاف النساء في مناطق النزوح واللجوء إلى تأسيس مشروعات صغيرة، وابتكار أنشطة إنتاجية وتسويقية جديدة، شملت المنتجات اليدوية والحرفية والصناعات الغذائية والخدمات.

وأسهمت هذه المشروعات في توفير مصادر دخل للأسر، وتنشيط الحركة التجارية في المجتمعات المستضيفة، وضخ السيولة في الأسواق المحلية، رغم استمرار الحرب واستنزاف الموارد.

المرأة الإعلامية السودانية.. حضور فاعل وصمود في زمن الحرب

وللتعرف على دور المرأة الإعلامية السودانية خلال الحرب، التقت وكالة السودان للأنباء الدكتورة سلوى حسن صديق، أستاذة الصحافة والإعلام بكلية الإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية، ومديرة أكاديمية السودان لعلوم الاتصال والتدريب الإعلامي، إحدى هيئات وزارة الإعلام السودانية.

وقالت إن المرأة الإعلامية السودانية برزت خلال الحرب بوصفها شريكاً فاعلاً في معركة الوعي، وشاهداً على الأحداث، وناقلاً لتفاصيل الحرب وتداعياتها الإنسانية والاجتماعية، رغم ما واجهته من مخاطر النزوح والفقد والضغوط المهنية والأسرية.

وأوضحت أن الإعلاميات واصلن منذ اندلاع الحرب أداء رسالتهن عبر المؤسسات الرسمية والصحف والمنصات الإعلامية، مستخدمات مختلف أشكال العمل الصحفي، من الخبر والتقرير والتحقيق إلى المقال، إلى جانب الإسهام في التوعية ومناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وأضافت أن دور المرأة الإعلامية لم يقتصر على نقل الأحداث، بل امتد إلى متابعة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها قضايا العنف الجنسي وانتهاكات الحرب، ومعايشة معاناة المواطنين وتوثيقها، فضلاً عن تحمل مسؤوليات الأسرة والعمل المهني في ظروف بالغة التعقيد.

وأشارت إلى أن بعض الإعلاميات واجهن محاكمات وقضايا قانونية بسبب تناولهن ملفات مرتبطة بالحرب وتداعياتها.

ولفتت الدكتورة سلوى إلى حضور الإعلاميات في المبادرات والجمعيات الداعمة للمتأثرين بالحرب، ومن بينها جمعية إسناد لرعاية المتأثرين بالحرب في مصر، حيث شاركت إعلاميات في أنشطة التوعية والمساندة.

وفي هذا السياق، أشارت إلى توثيقها جانباً من ممارسات وانتهاكات الحرب في كتابها «من المسافة صفر»، الذي يضم ثلاثين قصة، ودُشّن في أبريل الماضي.

ويأتي هذا الحضور امتداداً لتاريخ المرأة السودانية في العمل الإعلامي منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث أسهمت رائدات مثل فاطمة أحمد إبراهيم، وسعاد الفاتح البدوي، ونفيسة أحمد الأمين في تأسيس حضور نسائي مؤثر في الصحافة والعمل الفكري والإعلامي.

وأكدت التجربة أن رسالة المرأة الإعلامية لا تتوقف أمام الحروب والأزمات، بل تزداد أهمية في أوقات المحن، لتظل صوتاً للحقيقة وذاكرة للأحداث وشريكاً أساسياً في تشكيل الوعي وحماية المجتمع.

سيدات الأعمال.. مبادرات اقتصادية في مواجهة تداعيات الحرب

وتبرز سيدة الأعمال سامية شبو، نائب رئيس غرفة الخدمات الاقتصادية باتحاد الغرف التجارية، ضمن النماذج التي تعمل خارج السودان على تشجيع النساء النازحات على الانخراط في المشروعات الصغيرة، حيث أسهمت في إنشاء مشروعات متعددة لاستيعاب النساء المتأثرات بالحرب.

وقالت في تصريح لـ«سونا» إن الحرب أفرزت تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، تمثلت في توقف المصانع والأسواق والشركات، وتعطل سلاسل الإمداد، وفقدان مصادر الدخل، وارتفاع تكاليف الإنتاج والمواد الخام والخدمات، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المشروعات النسائية وأضعف قدرتها على الاستمرار ومواجهة متطلبات السوق.

وأضافت أن سيدات الأعمال سعين، رغم هذه الظروف، إلى المحافظة على أنشطتهن الاقتصادية وإعادة تأسيس مشروعاتهن بعد النزوح داخل السودان أو خارجه، ومواصلة الإنتاج في مجالات الصناعات الغذائية والمخبوزات والصابون والمنظفات والعطور وتصميم الأزياء والتياب السودانية والحرف اليدوية.

وأوضحت أن صاحبات المشروعات استفدن من خبراتهن وعلاقاتهن التجارية في إيجاد منافذ جديدة للعمل والتسويق، رغم شح الإمكانات وصعوبات التمويل والطاقة وتوفير مدخلات الإنتاج.

وأكدت أن الحرب كشفت أهمية المشروعات التي تقودها النساء في دعم الاقتصاد المحلي والمحافظة على فرص العمل ومصادر دخل الأسر، مشيرة إلى أن دور سيدات الأعمال امتد إلى دعم الأسر النازحة والمتضررة والمبادرات المجتمعية، بما أسهم في تخفيف آثار الأزمة وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.

ودعت إلى منح المرأة في المرحلة المقبلة المكانة والفرص والأدوات اللازمة للمشاركة في صناعة مستقبل السودان.

تمكين المرأة.. ضرورة للتعافي وإعادة الإعمار

ومع توجه السودان نحو التعافي وإعادة الإعمار، تبرز الحاجة إلى دعم المرأة في مختلف المجالات، والاستفادة من قدراتها على الصمود والمبادرة في أوقات الأزمات، من خلال توسيع فرص المشاركة الداخلية والخارجية، وتوفير التدريب والتأهيل.

كما تبرز أهمية تمكين سيدات الأعمال من استعادة قدراتهن الإنتاجية عبر توفير التمويل المرن والطاقة البديلة والمعدات ومدخلات الإنتاج، وإعادة تشغيل المشروعات المتضررة، وربط المنتجات النسائية بالأسواق الداخلية والخارجية، وتطوير الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف.

فإعادة بناء الاقتصاد الوطني تتطلب الاستفادة من قدرات المرأة بوصفها شريكاً أساسياً في الإنتاج والاستثمار، وليس مجرد مستفيدة من برامج الدعم، بما يسهم في خلق فرص العمل وتنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز التعافي الاقتصادي.

وهكذا، لم تكن المرأة السودانية مجرد شاهد على الأحداث والتطورات التي شهدها السودان خلال سنوات الحرب، بل فاعلاً رئيسياً في إدارة تفاصيل الحياة اليومية، وحماية النسيج الاجتماعي من التفكك، وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

وأكدت المرأة السودانية أن دورها في الأزمات لا يقتصر على الصمود أمام المحنة، وإنما يتجاوز ذلك إلى صناعة الأمل، وفتح مسارات التعافي وإعادة البناء، لتظل شريكاً أساسياً في استعادة الحياة وبناء مستقبل السودان.

ـــــــ

/م.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا