غزة 18-8-2026 وفا- حسين نظير السنوار
أشبه بأشغال شاقة ... بل هي أشغال شاقة بالإرادة ما يقوم به عمال من قطاع غزة لاستخراج قضبان الحديد من داخل "الخرسانة" باطون المنازل المقصوفة والمهدومة في سبيل استخدامها لبناء خيام جديدة أو بعض الأشياء الأخرى التي يحتاجونها في حياتهم اليومية.
بأدوات ومعدات بدائية وبسيطة، يقدم غزيون أجبرتهم ظروف الحياة الجديدة التي خلفتها الحرب وبسبب الحصار ومنع الاحتلال دخول مواد البناء والإعمار الاتجاه نحو البيوت والمباني المدمرة والمجازفة لاستخراج الحديد منها لإعادة تدويره واستخدامه من جديد في سبيل التغلب على متطلبات وصعاب الحياة التي يعيشونها.
ويقول المواطن محمد عصفور إنه يمتلك "مهدة" شاكوش ثقيل يزن قرابة الستة كيلو جرامات، ويقوم بشكل يومي منذ عدة أسابيع باستخدامه في أشغال شاقة حكم هو على نفسه بها في سبيل اخراج قضبان الحديد من المباني المهدمة لبيعها ولتوفير متطلبات عائلته اليومية في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وانعدام فرص العمل.
وأشار إلى أن العمل في استخراج الحديد خطير جدًا لانعدام سبل السلامة، خاصة وأن تلك المباني من الممكن أن تنهار في أية لحظة دون أن يصلها المواطنين، فكيف إذا قام بهدم أجزاء منها؟ لذلك فإن نسبة الخطورة والمجازفة كبيرة في سبيل اخراج بعض القضبان الحديدية من بين الركام والردم ليعيش من ثمنها.
وقال المواطن طارق ياسين، إن الذي يمتلك "مهدة" يمتلك رأس المال للعمل، فهي أولى خطوات الحصول على لقمة العيش بعد الإرادة، فهذا العمل بمثابة أشغال شاقة ولكن بإرادة الشخص ولا يحكم عليه بها، مشيرًا إلى أن كل من يعمل في مجال الهدم للاستخراج قضبان الحديد فهو محتاج ومجبر وفرضت الظروف الاقتصادية والاجتماعية الاستثنائية التي يمر اللجوء لذلك لانتزاع لقمة العيش من أنياب الموت.
وأضاف خلال عملنا في هذا المجال الخطير نواجه صعابا كثيرة ونعمل ونحن نرتجف من خوف انهيار المباني المدمرة، وكذلك نعمل بحذر شديد خشية ارتطام المهدة أثناء العمل بمخلفات الاحتلال غير المتفجرة بين الركام، وبالتالي موتنا بشكل مؤكد أو إصابتنا إصابات بالغة، فكل الاحتمالات واردة وكل المخاطر والنهايات حاضرة، ومن الممكن أن يموت الواحد منا في العمل بسبب انهيار أو بسبب انفجار.
أما المواطن علي العمور فيقول: نقوم باستخراج قضبان الحديد من الباطون وبيعه كما هو بالشكل الذي يخرج به لأصحاب "الثنايات" الذين بدورهم ينقلون الحديد إلى أماكن مخصصة لديهم وفيها آلات يدوية لتعديل الحديد، لافتًا إلى أن العمل في تعديل وتقويم الحديد ليس بالعمل الهين ويحتاج لمجهود وخبرة.
ولفت إلى أنه في أحيان أخرى يطلب منه أصحاب المنازل المدمرة هو والعاملون معه بهدم مبنى أو بناية مقابل أجر مالي يومي، وصاحب المنزل هو من يقوم ببيع الحديد بمفرده، مشيرًا إلى أن جهات محلية بالشراكة مع مؤسسات دولية تنقل بقايا الحجارة في بعض الأحيان من مكانه واستخدامه في شق طرق بأرضية من الحجارة بدل الأسفلت بين الخيام، أو نقله لمكبات بعيدة عن الطرق وتجمعات الخيام.
بينما قال المواطن محمود راضي، إنه يقوم بشراء الحديد من المواطنين الذين يستخرجونه من البنايات المهدمة، ثم ينقله إلى ورشته الخاصة بالتعديل اليدوي، وهناك تتم عملية تعديل الحديد وتقويمه وفرزه حسب الطول والسمك والجودة، وحسب رغبة الزبائن.
وذكر أن الحديد بعد استخراجه وتعديله يمكن أن يشكل على عدة أشكال ويستخدم في كثير من الاستخدامات الضرورية اليومية للمواطنين، منها أقواس لبناء الخيام أو المعرشات، أو طاولات مطبخ "مجلى"، إضافة إلى عمل أسرة وخزانات للاستعاضة بها عن المصنعة من الخشب لارتفاع أسعاره وتكلفة تصنيعه، كونه يحتاج أجهزة كهربائية ومولدات طاقة وهي التي يفتقر لها القطاع في الفترة الحالية.
أما المواطن يوسف عوض الله، فيقول إنه لجأ لصنع خيمته من قضبان الحديد المستخرج من المباني المدمرة، بعدما قام بعمل عدة خيام من الخشب وتهالكت بفعل الظروف البيئة وعوامل التعرية، مشيرًا إلى أن الخيام المصنعة من قضبان الحديد أقل تكلفة من الناحية المادية وأقوى وأمتن من تلك المصنعة من الخشب، لأن الحديد مقاوم للرياح ولعوامل التعرية الجوية أكثر من الخشب الذي هو بالأصل مستخدم وبالي.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى ما بين 61-66 مليون طن من الركام في قطاع غزة، في ظل تضرر أو تدمير 371,888 وحدة سكنية.
كما تشير التقديرات إلى أن ازالة الركام قد تستغرق نحو سبعة أعوام في أفضل الظروف، بينما قد تمتد العملية من 10-20 عامًا أو أكثر إذا استمرت القيود على إدخال الآليات والوقود.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في القطاع تجاوز الـ80% خلال عام 2025، ويأتي ذلك بعد أن وصلت البطالة إلى 45% قبل الحرب، في ظل انهيار قطاعات الإنتاج وتوقف آلاف المنشآت وفقدان مئات آلاف العاملين لمصادر دخلهم.
ـــ
ح.س/ي.ط


