غزة 15-8-2026 وفا- محمد دهمان:
لم تعرف نور ساهر السلاوي والدها إلا من خلال صورة وحكايات أفراد عائلتها، فقد استشهد وهي في شهرها السادس، قبل أن تكبر وتدرك معنى أن يكون لها أب.
اليوم، تقف نور أمام مرحلة جديدة من حياتها، بعدما حصلت على 99.1% في الفرع العلمي في الثانوية العامة، واضعة أولى خطواتها نحو حلم دراسة الطب، الذي اختارته لنفسها، وتسعى من خلاله إلى تخليد ذكرى والدها الذي رحل قبل أن تعرفه.
عاشت نور طفولتها في كنف جدها وجدتها في رفح، حيث توليا رعايتها وتربيتها.
وتقول: "كان جدي وجدتي لهما الفضل الكبير في تربيتي، ولم أشعر باليتم في وجودهما، فقد استطاعا تعويضي عن والدي الشهيد".
عاشت نور سنوات طفولتها في منزل العائلة بصورة مستقرة، وكانت لها غرفة خاصة تضم ملابسها وألعابها وكتبها، فيما حرص جدها على توفير احتياجاتها وتأمين ظروف مناسبة لتعليمها.
وتقول: "كان جدي كل حياتي، وكان يلبي كل طلباتي، وإذا أراد أحد شيئاً في البيت كانوا يطلبون مني أن أطلبه منه بسبب قربي منه".
من منزل رفح إلى الخيمة
في 7 أيار/مايو 2024، نزحت نور للمرة الأولى من رفح إلى دير البلح، وكانت حينها في الصف العاشر، برفقة 21 فرداً من أعمامها وعماتها وأبنائهم، وعاشوا معاً في خيمة وسط القصف والخوف وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
وتقول: "كانت الظروف قاسية جداً، وكنت أعيش حالة من الخوف والذعر بسبب الحرب والقصف اليومي، ولم أكن أستطيع التفكير إلا قليلاً بسبب ما نعيشه".
ورغم ذلك، واصلت نور محاولتها الدراسة، إلى أن عادت العائلة إلى رفح في 10 شباط/فبراير 2025، بعد إعلان وقف إطلاق النار.
ووجدت الأسرة منزلها متضرراً جزئياً، وتمكنت من إخراج بعض الملابس والمقتنيات، ثم استأجرت قطعة أرض وأقامت عليها خياماً، وكانت نور قد انتقلت إلى الصف الحادي عشر وبدأت الدراسة بصورة جزئية.
لكن الهدنة لم تدم طويلاً، فعادت الحرب في 21 آذار/مارس 2025، ومع اشتداد القصف في رفح، نزحت العائلة مرة أخرى إلى منطقة المواصي في خانيونس، وكان عدد أفرادها 12 شخصاً.
وبعد ذلك، علمت العائلة أن منزلها دُمر بالكامل.
وتقول نور: "أحزنني كثيراً تدمير بيتنا، لأنه كان يحمل كل ذكرياتنا، وكل ما يملكه جدي".

الدراسة وسط النزوح
ازدادت صعوبة الحياة خلال فترة النزوح والمجاعة، خصوصاً مع غياب جدها الذي غادر القطاع لمرافقة زوجة نجله للعلاج في مستشفى المطلع بمدينة القدس، وبقي خارج القطاع حتى 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وخلال تلك الفترة، واصلت نور الدراسة بما توفر لها من إمكانات، رغم ظروف النزوح وصعوبة الحياة اليومية.
وعندما عاد جدها، خصص لها مساحة صغيرة داخل الخيمة للدراسة، ووضع مكتباً متواضعاً، وحرص على توفير الكتب والإنترنت والكهرباء من خلال منظومة للطاقة الشمسية.
وتقول: "كان جدي دائماً بجانبي، وكان يردد: شو بتحتاجي أنا معك. وكان يخاف عليّ من كثرة ساعات الدراسة التي أقضيها، لكنه كان دائماً سندي ومعلمي الأكبر".
99.1%.. والوجهة كلية الطب
وسط هذه الظروف، جاءت نتيجة الثانوية العامة لتمنح نور وأسرتها لحظة فرح طال انتظارها.
وحصلت نور على 99.1% في الفرع العلمي، لتبدأ أولى خطواتها نحو دراسة الطب البشري، وهو التخصص الذي تطمح إلى دراسته.
وتقول: "أحب أن أدرس الطب البشري، وعلمت من عمتي أن والدي كان يقول منذ ولادتي إنه يريد نور أن تكون طبيبة. وأقل شيء أستطيع الوفاء به لوالدي الذي لا أعرفه هو أن ألبي رغبته وأصبح طبيبة".
وتضيف: "لقد بدأت أول الطريق لتحقيق حلمي، وكنت أتمنى أن يكون والدي بجانبي فور سماع النتيجة".
أما جدها صالح صادق السلاوي، البالغ من العمر 69 عاماً، فيرى أن تفوقها ثمرة سنوات من الرعاية والاهتمام، ويقول: "الحمد لله أثبتت أنها على قدر المسؤولية وأبهرتني بتفوقها. أتمنى أن يعطيني الله العمر لأراها طبيبة وأحضر تخرجها".
أما جدتها انزهار السلاوي، فتصفها بأنها "شمعة البيت"، وتقول: "كنت أراها ابنتي وليست حفيدتي، وجعلت لبيتنا روحاً، وأتمنى أن أراها بالرداء الأبيض عند تخرجها وهي طبيبة".
وتقول عمتها مها صالح السلاوي، التي رافقتها منذ طفولتها وكانت نور تناديها "ماما"، إنها لاحظت تفوقها منذ سنواتها الأولى، وكانت سريعة الاستيعاب وقوية الشخصية.
وتشير إلى أن أكثر ما كان يؤلم نور في طفولتها هو افتقاد والدها، إذ كانت تمسك صورته وتتحدث إليه وتبكي وتسأل: "لماذا لا يرد عليّ؟"
منحة لاستكمال الحلم
بعد حصولها على هذه النتيجة، تواجه نور تحدياً جديداً يتمثل في تكاليف دراسة الطب، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرتها وعدم قدرة جدها البالغ 69 عاماً على العمل.
وناشدت أسرة نور الجهات الحكومية المختصة، توفير منحة دراسية كاملة لها تمكنها من الالتحاق بكلية الطب ومواصلة تعليمها الجامعي.
ووجهت نور رسالة إلى طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة: "الطموح ليس له حدود، فقط ضع الهدف أمام عينيك، وسوف يتحقق رغم الوضع المأساوي وحالة الحرب والموت المنتشر في كل مكان".
ومن خيمة النزوح في المواصي، تبدأ نور مرحلة جديدة من حياتها، آملة أن تجد الدعم الذي يمكنها من الوصول إلى كلية الطب، وتحقيق طموحها وتخليد ذكرى والدها الذي رحل قبل أن تعرفه.
ــ
إ.ر


