أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 17/07/2026 12:07 م

سياسة الهدم وخنق العمران.. الخضر نموذجا

تصوير - أحمد مزهر/وفا
تصوير - أحمد مزهر/وفا

 

بيت لحم 17-7-2026 وفا- عنان شحادة

لم يكن المواطن محمد عدنان صبيح "أبو عموص" يتخيل أن أربعة أعوام من العمل المتواصل والادخار ستنتهي في ساعات قليلة تحت جرافات الاحتلال.

فبعد سنوات من التعب، تمكن من بناء منزل مكون من طابقين في بلدة الخضر جنوب بيت لحم، ليكون مستقرا له ولعائلته، قبل أن تهدمه قوات الاحتلال في أيلول/سبتمبر 2025، تاركة خلفها ركام حلم طال انتظاره.

وقف أبو عموص أمام أنقاض منزله، يحدق في الركام ويرفع يديه إلى السماء، متضرعا إلى الله أن يعوضه خيرا.

ويقول: "مع هدم المنزل ذهب كل شيء. بلغت تكلفة المنزل، الذي تبلغ مساحة كل طابق فيه 270 مترا مربعا، نحو مليون وثلاثمئة ألف شيقل. بعت ذهب زوجتي بالكامل، وكل ما ادخرت خلال عشرين عاما، ومدخرات ابني، وحتى شقتي القديمة التي بعتها لشقيقي. ما أصعب أن ترى حلمك يتحطم أمام عينيك."

ويضيف أن ديونا بقيمة 45 ألف شيقل ما زالت مترتبة عليه جراء بناء المنزل، مشيرا إلى أنه اضطر إلى شراء منزله القديم مرة أخرى، رغم عدم امتلاكه ثمنه، الأمر الذي راكم الديون وأثقل كاهله.

ولا تمثل قصة أبو عموص سوى واحدة من عشرات القصص التي تشهدها بلدة الخضر، ومئات الحالات في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، في إطار سياسة الاحتلال الرامية إلى التضييق على المواطنين ودفعهم إلى الرحيل خدمة للمشروع الاستعماري.

وتتعرض بلدة الخضر منذ سنوات لتصعيد متواصل في سياسات الاحتلال، شمل هدم عشرات المنازل، وإخطار أخرى بالهدم ووقف البناء، خاصة في مناطق أم ركبة، وأرض الدير، والبالوع، التي تعد المتنفس العمراني الوحيد للبلدة. كما يحرم آلاف المواطنين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية الواقعة خلف جدار الفصل والتوسع العنصري، التي تزيد مساحتها على 20 ألف دونم.

كما أقام الاحتلال على أراضي البلدة أربع مستعمرات هي: "أفرات"، و"دانيال"، و"إليعازر"، و"سيدي بوعز"، إلى جانب عدد من البؤر الاستعمارية.

ويقول عضو بلدية الخضر ومسؤول النشاط الزراعي محمود عبد الله إن البلدة تعيش أوضاعا وصفها بـ"المنكوبة" في ظل الهجمة الاستعمارية المتواصلة، التي تصاعدت بصورة غير مسبوقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويضيف أن الاحتلال فرض قيودا مشددة على حركة المواطنين، وأغلق مداخل البلدة بالسواتر الترابية، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو التنقل بحرية داخل البلدة.

ويشير إلى أن الاحتلال صعد كذلك من سياسة هدم المنازل وإخطارها بوقف البناء، خاصة في مناطق أم ركبة، وأرض الدير، والبالوع، التي تمثل آخر الامتدادات العمرانية للبلدة، إلى جانب إجبار عدد من المواطنين على إخلاء منازلهم تحت تهديد السلاح، في محاولة لفرض التهجير القسري.

ولا تقتصر الخسائر على القطاع السكني، إذ يؤكد عبد الله أن القطاع الزراعي تلقى ضربة قاسية نتيجة الإجراءات الاحتلالية، بعدما أغلق الاحتلال نحو خمسة آلاف دونم إغلاقا كاملا، فيما بات الوصول إلى ما تبقى من الأراضي مقيدا بشكل كبير.

ولتعزيز هذه القيود، نصب الاحتلال ثماني بوابات حديدية على الطرق الزراعية، وأغلق المنافذ المؤدية إلى الأراضي عبر الشارع الاستعماري رقم 60، كما عبث بعدد من ينابيع المياه، بينها عين القسيس، وعين تايه، ورأس العد، وعين الأبيار، والمغارة، وردم أربعة آبار للمياه.

ويبين عبد الله أن هذه الإجراءات انعكست مباشرة على الإنتاج الزراعي، إذ تضم البلدة نحو سبعة آلاف دونم مزروعة بالأشجار، وكانت تنتج قرابة ستة آلاف طن من العنب سنويا، قبل أن يتراجع الإنتاج بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر إلى نحو 2400 طن فقط، ما اضطر عددا من أصحاب الأراضي إلى شراء العنب وورق الكرمة من السوق المحلية، بعدما كانوا من أبرز المنتجين لهما.

ومن بين هؤلاء المزارعين، المسن نعيم مرزوق (82 عاما)، الذي وجد نفسه مضطرا لشراء العنب وورق الكرمة، بعدما حرم من الوصول إلى أرضه الزراعية الممتدة على عشرات الدونمات خلف جدار الفصل والتوسع العنصري.

ويقول مرزوق إنه كان يسوق إنتاجه الزراعي في أسواق بيت لحم ورام الله والقدس، إلا أنه يعيش اليوم أصعب أيام حياته، بعدما أصبح ممنوعا من دخول أرضه، ويتعرض لاعتداءات وتهديدات من عصابات المستعمرين كلما حاول الاقتراب منها، ما يجبره على العودة أدراجه دون أن تطأ قدماه أرضه.

من جانبه، يقول الخبير في شؤون الجدار والاستعمار حسن بريجية إن ما تتعرض له بلدة الخضر يأتي في إطار سياسة احتلالية ممنهجة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع المشروع الاستعماري.

ويوضح أن مناطق أم ركبة، وخربة عليا، وجبل أبو سود، وأرض الدير تواجه مخاطر حقيقية بالتهجير، مشيرا إلى أن سلطات الاحتلال أخطرت قبل أيام 32 منزلا في منطقة أرض الدير بالهدم ووقف البناء.

ويضيف أن الشارع الاستعماري رقم 60، المار غرب البلدة، يهدد نحو 175 عائلة فلسطينية بالتهجير، بذريعة البناء دون ترخيص، محذرا من أن تنفيذ هذه المخططات سيؤدي إلى تهجير قسري ذي طابع استعماري.

ويشير بريجية، استنادا إلى معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستعمار، إلى وجود نحو 350 بؤرة استعمارية في الضفة الغربية، منها 39 بؤرة في محافظة بيت لحم، لافتا إلى أن هذه البؤر لا تقام بصورة عشوائية، وإنما تشكل حلقات وصل بين المستعمرات، ونقاط انطلاق للاعتداء على التجمعات الفلسطينية، تمهيدا لإقامة مستعمرات جديدة.

ويضيف أنه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، استولى الاحتلال على نحو 70 ألف دونم في مختلف أنحاء الضفة الغربية، بينها نحو 500 دونم في محافظة بيت لحم، وفقا للمعطيات المعلنة.

ــــــ

ع.ش/ م.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا