أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 20/10/2026 03:51 م

موسم الزيتون في غزة.. تدمير مئات آلاف الدونمات وتدهور الإنتاج وغياب المعاصر

غزة 20-10-2026 وفا- محمد دهمان

لم يعد موسم الزيتون في قطاع غزة مناسبة زراعية ينتظرها المزارعون كل عام، بل بات شاهداً على حجم الدمار الذي لحق بالأراضي الزراعية، وفقدان آلاف الأشجار، وتراجع الإنتاج، وغياب مقومات الزراعة، في ظل استمرار الحصار وصعوبة الوصول إلى الأراضي، ونقص المستلزمات الزراعية، وتدمير عدد كبير من المعاصر.

وبينما يحاول ما تبقى من المزارعين إنقاذ أشجارهم وجني محاصيلهم المحدودة، تتراجع قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات المواطنين، وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الزيتون وزيته، وفقدان عائلات كثيرة مصدر رزقها الأساسي.

 

خسائر واسعة وتراجع حاد في الإنتاج

وتشير إحصائيات ومعلومات رسمية، استندت إليها مسؤولة الإعلام والمناصرة في الإغاثة الزراعية نهى الشريف، وتحدثت عنها في مقابلة مع مراسل «وفا»، إلى حجم الخسائر التي تكبدها قطاع الزيتون في غزة خلال الحرب.

وبحسب هذه البيانات، فقد كانت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون قبل الحرب تبلغ نحو 44,850 دونماً، لم يتبقَّ منها دون أضرار سوى نحو 5,000 دونم، فيما تضرر نحو 39,850 دونماً، أي ما يقارب 89% من إجمالي المساحة.

وانخفض إنتاج الزيتون من نحو 38,055 طن قبل الحرب إلى ما يقدر بنحو 3,500 طن في موسم عام 2026، بتراجع يقارب 91%، في وقت تشير فيه البيانات إلى تدمير نحو 1,394,750 شجرة زيتون.

ومن إجمالي الإنتاج المتوقع، يخصص نحو 1,200 طن للتخليل، و2,300 طن للعصر، بما ينتج نحو 345 طناً من الزيت، وفق تقديرات تفترض أن نسبة استخراج الزيت تبلغ 15%.

وفي المقابل، تقدر الاحتياجات السنوية لقطاع غزة بنحو 4400 طن من زيت الزيتون، ما يعني وجود فجوة تصل إلى نحو 4,055 طناً، وانخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي إلى نحو 8%.

ولم تقتصر الخسائر على الأراضي والأشجار، بل امتدت إلى المعاصر ومرافق الإنتاج، إذ تراجع عدد معاصر الزيتون من 37 معصرة قبل الحرب إلى ثماني معاصر عاملة، كما انخفض عدد خطوط الإنتاج من 68 إلى 15، وتراجعت القدرة الإنتاجية من 150 طناً في الساعة إلى نحو 25.

 

أرض جُرفت ومصدر رزق فُقد

المزارع فراس أبو مغيصيب (40 عاماً)، من منطقة وادي السلقا شرق دير البلح، واحد من الذين فقدوا أراضيهم ومصدر دخلهم بفعل الحرب.

ويقول أبو مغيصيب إن أرضه كانت تمتد على مساحة 13 دونماً، منها سبعة دونمات مزروعة بالزيتون، تضم ما بين 350 و400 شجرة، وأربعة دونمات من البيوت البلاستيكية التي كانت تنتج البندورة والخيار والفلفل والبطيخ، إضافة إلى دونمين حول منزله، زرع فيهما أشجاراً مثمرة ومحاصيل متنوعة.

ويضيف أن الأرض جُرفت بالكامل، بعدما أصبحت ضمن المنطقة المعروفة بـ«الخط الأصفر»، مشيراً إلى أنه تمكن من الوصول إليها خلال اتفاق وقف إطلاق النار الذي  استمر أسبوعاً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، ليجدها مدمرة ومسوّاة بالأرض.

ويشير إلى أن أشجار الزيتون كانت تنتج قبل الحرب ما بين 100 و120 تنكة من الزيت، فيما كان صافي الربح السنوي من الأرض لا يقل عن خمسة آلاف دينار أردني، وكانت تشكل مصدر الدخل الأساسي له ولأسرته، إلى جانب إسهامها في إعالة أسر أخرى.

أما اليوم، فيعتمد على المساعدات لتلبية احتياجاته، بعدما فقد الأرض التي عمل فيها سنوات طويلة، مؤكداً أن حجم الأضرار بلغ، وفق تقديره، 100%، وأن استعادة مصدر رزقه تتطلب البدء من الصفر.

وتعكس حالة أبو مغيصيب واقع مزارعين كثيرين فقدوا أراضيهم وأشجارهم ومرافقهم الزراعية، ولم تعد خسارتهم مقتصرة على موسم واحد، بل امتدت إلى سنوات من العمل والاستثمار ومصدر دخل كان يؤمّن احتياجات أسرهم.

 

 

محصول قليل وكلفة مرتفعة

وفي دير البلح، يحاول المزارع شادي الراعي (35 عاماً) الاستفادة مما تبقى من أشجار الزيتون في أرضه، رغم تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف العناية بالأشجار والجني.

ويمتلك الراعي خمسة دونمات تضم نحو 125 شجرة زيتون مثمرة، بلغ إجمالي إنتاجها في الموسم الحالي نحو طن واحد، بعدما كان إنتاجها قبل الحرب يزيد على ثلاثة أطنان تقريباً.

ويعزو هذا التراجع إلى الحصار الإسرائيلي وعدم توفر الأسمدة والعلاجات والمبيدات الحشرية اللازمة للعناية بالأشجار، إلى جانب نقص الوقود وارتفاع أجور العاملين، وهي عوامل رفعت تكاليف الإنتاج وأضعفت قدرة المزارعين على خدمة أراضيهم بالشكل المطلوب.

ويقول إن الموسم الحالي يعكس حجم الصعوبات التي يواجهها المزارعون في ظل نقص المستلزمات الأساسية، وارتفاع تكاليف العمل، وعدم قدرتهم على توفير احتياجات الأشجار في المواعيد المناسبة، ما ينعكس مباشرة على كمية المحصول وجودته.

ولا تتوقف معاناة المزارعين عند تراجع الإنتاج، إذ يجدون أنفسهم أمام تكاليف مرتفعة لجني محصول محدود، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على تغطية نفقات الزراعة والاستمرار في العمل.

 

معاصر مدمرة وخسائر تتجاوز أصحابها

ولم تسلم معاصر الزيتون من الدمار الذي طال القطاع الزراعي، ما حرم المزارعين من مرافق أساسية لتحويل محصولهم إلى زيت، وألحق خسائر بأصحاب المعاصر والعاملين فيها.

ومن بين هذه المنشآت «المعصرة الإيطالية الحديثة»، الواقعة قرب المستشفى الأوروبي في خان يونس، والتي أُنشئت عام 2016 واعتمدت تقنيات حديثة في عصر الزيتون، واستقبلت المحاصيل على مدار تسعة مواسم قبل تدميرها.

ويقول صاحب المعصرة محيي المصري إن القدرة الإنتاجية للمنشأة كانت تصل إلى نحو 50 طناً من الزيتون يومياً، فيما بلغ إنتاجها السنوي ما بين 1,000 و1,300 طن من الزيتون، وكانت توفر عملاً لنحو 15 عاملاً، إلى جانب اعتماد ستة مساهمين عليها كمصدر دخل.

ويشير إلى أن المعصرة كانت تخدم مزارعين من مناطق متعددة، وتؤدي دوراً مهماً في موسم الزيتون، لافتاً إلى أن تدميرها، إلى جانب تدمير معاصر أخرى في المنطقة، ألحق أضراراً واسعة بالمزارعين الذين باتوا يواجهون صعوبات إضافية في عصر محاصيلهم المحدودة.

ويضيف أن الخسائر لم تقتصر على المنشأة ومعداتها، بل شملت أيضاً الالتزامات المالية والديون المستحقة للمعصرة لدى مواطنين، فضلاً عن فقدان العاملين مصدر دخلهم.

ويصف المصري ما حدث بأنه «فقدان تعب سنين وحلم بنيته خطوة بخطوة»، مؤكداً أن المعصرة لم تكن مجرد منشأة إنتاجية، بل كانت مصدر رزق وموضع فخر له وللعاملين فيها، وأن تدميرها ترك فراغاً كبيراً في حياتهم.

ويأمل المصري أن يتمكن من إعادة بناء المعصرة واستعادة قدرتها التشغيلية، لكنه يشير إلى أن ذلك يحتاج إلى إمكانات مالية ومعدات وتجهيزات لإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

 

قطاع زراعي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة

يقول رئيس مجلس إدارة جمعية خان يونس الزراعية التعاونية ناهض الأسطل إن القطاع الزراعي في غزة تعرض لدمار واسع طال الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون والحمضيات، والمحاصيل الحقلية والخضراوات، وشبكات الري والآبار والمنشآت الزراعية.

ويقدّر الأسطل أن نسبة الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي تتراوح بين 70 و80%، مشيراً إلى أن المساحات التي لا تزال تضم أنشطة زراعية تتركز في مناطق المواصي ودير البلح والنصيرات.

ويؤكد أن قطاع غزة كان يشكل سلة غذائية للسكان، كما كانت منتجاته تصل إلى الضفة الغربية والأسواق الإسرائيلية والأردن ودول الخليج، قبل أن تؤدي الحرب إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي وتعطيل الإنتاج الزراعي.

ويصف الأسطل موسم الزيتون الحالي بأنه بالغ الصعوبة، في ظل تعذر وصول المزارعين إلى مساحات واسعة من أراضيهم، واقتلاع الأشجار وتدميرها، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمحاصيل وشبكات الري، وتأثير الجفاف خلال فترات النزوح.

ويشير إلى أن أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة لا يزال خاضعاً للسيطرة الإسرائيلية، وفق تقديره، الأمر الذي يحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم واستثمارها.

ويضيف أن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون تراجعت من نحو 50 ألف دونم إلى ما يقارب 10 آلاف دونم في أفضل التقديرات، في ظل غياب مسح شامل ومحدث يحدد بصورة دقيقة المساحات التي بقيت صالحة للزراعة.

ويلفت إلى أن جزءاً كبيراً من المحصول المتبقي يذهب للاستهلاك العائلي، فيما تصل كميات محدودة إلى الأسواق، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة والجني والعصر.

 

أسعار مرتفعة واحتياجات ملحة

وتنعكس خسائر الموسم على أسعار الزيتون وزيته في الأسواق، إذ ارتفع سعر كيلوغرام الزيتون من نحو خمسة شواقل إلى 15 شيقلاً، فيما ارتفع سعر تنكة زيت الزيتون سعة 16 لتراً من نحو 500 شيقل إلى 1,500 شيقل.

وتزيد هذه الأسعار المرتفعة صعوبة حصول الأسر على الزيتون وزيته، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للسكان، بينما يواجه المزارعون تكاليف مرتفعة لاستمرار العمل في أراضيهم والعناية بما تبقى من أشجارهم.

وتتطلب إعادة إنعاش قطاع الزيتون توفير احتياجات واسعة، تشمل إعادة تأهيل الأراضي الزراعية والآبار وشبكات الري، وتوفير الطاقة الشمسية والشتلات والأسمدة والمبيدات والعلاجات الزراعية، ومضخات المياه والوقود، وإعادة إنشاء البيوت البلاستيكية والطرق الزراعية.

كما تبرز الحاجة إلى فحص التربة والمياه للتأكد من خلوها من مخلفات المتفجرات، وإعادة تأهيل المعاصر وخطوط الإنتاج والتعبئة، بما يتيح للمزارعين استعادة قدرتهم على الإنتاج وتسويق محاصيلهم.

ولا تقتصر خسائر موسم الزيتون في غزة على تراجع محصول عام واحد، بل تمتد إلى سنوات من العمل والخبرة ومصادر الرزق التي فقدها المزارعون، في ظل تدمير الأراضي والأشجار والمنشآت الزراعية.

وبينما يحاول المزارعون إنقاذ ما تبقى من أشجارهم، تبقى استعادة هذا القطاع مرهونة بإتاحة الوصول إلى الأراضي، وتوفير المستلزمات الزراعية، وإعادة بناء البنية التحتية، بما يسمح بعودة الإنتاج تدريجياً واستعادة مصدر رزق آلاف الأسر.

ــ

/ي.ط

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا