طوباس 11-10-2026 وفا- الحارث الحصني
لم تكن رحلة بسام بني عودة (46 عاما) من تجمع الرأس الأحمر جنوب طوباس إلى بلدة طمون القريبة، قبل عشرة أيام، مجرد انتقال لأداء واجب اجتماعي، بل كانت رحلة تختصر تفاصيل الحياة القاسية التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في التجمعات الرعوية بالأغوار الشمالية، حيث بات الوصول إلى الطريق العام مغامرة، وتأمين الماء والأعلاف معركة يومية، وإرسال الأطفال إلى المدرسة مهمة تستدعي البحث عن أكثر الطرق أمانا.
عندما قرر بني عودة التوجه إلى طمون، امتطى دابته وانطلق بها من بين الخيام، حتى بلغ أقرب نقطة تستطيع المركبات العمومية الوصول إليها، ومنها أكمل طريقه. رحلة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف حجم العزلة التي يعيشها التجمع منذ أن فرض الاحتلال حصاره عليه قبل نحو شهر، ومنع المركبات من الدخول إليه أو الخروج منه.
على بعد نحو 200 متر من خيام عائلته، تقف بوابة حديدية أقامها الاحتلال قبل نحو عقدين عند المدخل الشمالي الشرقي لمنطقتي عاطوف والرأس الأحمر. ومنذ ثلاث سنوات، أُغلقت البوابة أمام حركة المواطنين، ما حرم بني عودة منفذا أساسيا للتنقل نحو طمون والمناطق الشرقية، قبل أن تتفاقم القيود الميدانية خلال الأشهر الماضية، وتتحول المنطقة إلى مساحة شبه معزولة.
يقول بني عودة، واصفا واقع الحياة في التجمع: "أصبح التجمع سجنا كبيرا، كل شيء متوفر لكن كل شيء محرم عليك".
ولا يحتاج الرجل إلى كثير من الشرح لتوضيح معنى هذه العبارة؛ فهو يملك 70 رأسا من الماشية، لكنه لا يستطيع تسريحها في المراعي القريبة من خيامه، بفعل القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي الرعوية.
وتعيش في تجمع الرأس الأحمر نحو 47 عائلة فلسطينية، فيما تواجه ست عائلات ظروفا أشد قسوة خلال الشهر الأخير، في ظل إغلاق المداخل، وصعوبة إدخال الاحتياجات الأساسية، وتزايد الضغوط التي تهدد استمرار الحياة في المنطقة.
طرق عسكرية تغيّر وجه الأغوار
لم تبدأ معاناة العائلات مع الحصار الأخير، بل تأتي ضمن واقع آخذ في التدهور منذ بداية العام، مع انطلاق أعمال تجريف واسعة للأراضي الزراعية وتدمير خطوط مياه وآبار ارتوازية، لشق طريق عسكري يمتد نحو 22 كيلومترا، بعرض يصل إلى 50 مترا، من حاجز عين شبلي جنوب شرق طوباس إلى حاجز تياسير شرق المحافظة.
وتشير ورقة بحثية للباحث والناشط أمير داوود، صدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعنوان "تحولات السيطرة الإسرائيلية: من إدارة الأرض إلى ضمها"، إلى إصدار سلطات الاحتلال تسعة أوامر متتابعة في طوباس استهدفت نحو 1,043 دونمًا، لشق طريق عسكري يعبر مرتفعات المحافظة والأغوار الشمالية.
وبحسب الورقة، أضيفت خلال النصف الأول من عام 2026 أربعة أوامر استهدفت 27.65 دونما، ثم صدرت في تموز/يوليو ستة أوامر أخرى استهدفت 497.86 دونما، لشق مقاطع بلغ طولها الإجمالي 9,983 مترا.
وتربط الورقة هذه التوسعات بإقامة ثماني بؤر استعمارية في المحافظة منذ عام 2023، وتخصيص 8,700 دونم من أراضي طوباس للرعي الاستعماري، في سياق يعيد تشكيل السيطرة على الأراضي الزراعية والرعوية في المنطقة.
ويقول رئيس مجلس قروي عاطوف والرأس الأحمر عبد الله بشارات إن هذه التطورات وما رافقها من تجريف وتضييق دفعت خمس عائلات فلسطينية إلى الرحيل عن المنطقة، في مؤشر على الأثر المباشر لهذه الإجراءات على قدرة السكان على الصمود والبقاء في أراضيهم.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى تصاعد مخاطر النزوح التي تواجه التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية، ولا سيما في الأغوار الشمالية.
ووفق تقرير صدر في 23 نيسان/أبريل 2026، تسببت اعتداءات المستعمرين وقيود الوصول منذ بداية العام في أضرار طالت منشآت وشبكات المياه في 32 تجمعا فلسطينيا، فيما تعرضت شبكة مياه رئيسية قرب خربة عاطوف للتجريف في 12 نيسان/أبريل، ما قطع إمدادات المياه عن أكثر من 20 عائلة في منطقتي عاطوف والرأس الأحمر.
الماء والأعلاف.. احتياجات تتحول إلى معركة يومية
بالنسبة إلى بني عودة، لا تقف المعاناة عند حدود التنقل، بل تمتد إلى أبسط مقومات الحياة. فتأمين المياه والأعلاف لعائلته وماشيته يتطلب سلوك طرق طويلة عبر الجبال المحيطة بالتجمع، في ظل إغلاق المداخل وتعذر وصول الشاحنات والصهاريج بصورة مباشرة.
ويقول إن أربع بوابات حديدية تحيط بالتجمع الذي يعيش فيه، وإن العائلة كانت تستخدم منفذا صغيرا لتسهيل حركتها، قبل أن يقيم الاحتلال خندقا فيه قبل نحو شهر، ليغلق بذلك أحد المسارات القليلة المتاحة أمامها.
كما أقام الاحتلال خندقا على بعد نحو كيلومترين من مكان إقامته، ما زاد صعوبة الخروج من المنطقة، وأصبح وصول صهريج مياه أو شاحنة أعلاف يتطلب الالتفاف عبر مسالك جبلية طويلة ومرهقة.
وفي تجمع يعتمد سكانه على تربية الماشية، لا تمثل هذه القيود مجرد عقبة في نقل الاحتياجات، بل تهدد مصدر رزق العائلات وقدرتها على الاستمرار، مع تضييق الوصول إلى المراعي والمياه والأراضي التي تشكل أساس حياتها.
أربعة أطفال وطريق إلى المدرسة
لكن الوجه الأكثر قسوة في حكاية بني عودة يظهر كل صباح، حين يحاول إيصال أطفاله الأربعة إلى مدرسة عاطوف القريبة.
يقول إن وصول أطفاله إلى المدرسة بات يحتاج إلى ما يشبه المعجزة. فهو يستعين بدابته لنقلهم إلى أقرب نقطة يراها أكثر أمانا، ثم يواصل الأطفال طريقهم إلى المدرسة، فيما ينتظرهم والدهم بعد انتهاء الدوام ليعيدهم إلى مسكنهم.
ومع أن هذه الطريقة أتاحت للأطفال مواصلة تعليمهم، فإنها لم توفر حلا مستقرا، ما اضطره إلى إرسالهم إلى أقربائهم في طمون مع بداية الأسبوع، ليعودوا إليه في نهايته، في محاولة لتجنيبهم مشقة التنقل اليومي ومخاطره.
وهكذا، لا يقتصر أثر الحصار على حركة السكان أو تأمين احتياجاتهم الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة الأسرية والتعليمية، ويفرض على العائلات خيارات قاسية بين البقاء مع أبنائها وتوفير ظروف أكثر أمانا لهم.
"نحن هنا حتى آخر نفس"
وفي الرأس الأحمر، لا تنتهي الضغوط عند الحواجز والخنادق والطرق المقطوعة؛ إذ تعيش العائلات تحت وطأة مداهمات متكررة ينفذها مستعمرون لخيام المواطنين، يطالبونهم خلالها بالرحيل عن مساكنهم، في مشهد يعمق مخاوف السكان على مستقبل وجودهم في المنطقة.
وتتطلع العائلات إلى مستقبل غامض، تتقاطع فيه القيود المفروضة على الحركة، والتضييق على الرعي، وصعوبة الوصول إلى المياه والأعلاف، مع تراجع مقومات الحياة يوما بعد يوم.
ورغم قسوة الظروف، يتمسك بني عودة بالبقاء في أرضه، مستندا إلى ما يربطه بها من حياة وذكريات ومصدر رزق، وإلى إصرار عائلته على مواصلة العيش في المكان الذي اعتادت عليه.
يقول: "رغم ما تبدو عليه الحياة في الرأس الأحمر من صعوبة، نحن هنا حتى آخر نفس".
ومن بين الخيام التي تحاصرها البوابات والخنادق، يخرج صوت بني عودة شاهدا على حياة يحاول أصحابها انتزاع أبسط حقوقهم فيها: طريق مفتوح، وماء يصل إلى خيامهم، ومرعى لماشيتهم، ومدرسة يستطيع أطفالهم بلوغها دون خوف أو مشقة.
ــــــــ
ف.ع


