غزة 21-9-2026 وفا- محمد دهمان
في مركزه الطبي، يواصل طبيب الأسنان الدكتور أحمد الجرجاوي عمله وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب والحصار والقيود الإسرائيلية على قطاع غزة، محاولًا تقديم العلاج بما يتوافر من إمكانات.
لم يعد نقص مواد طب الأسنان مجرد عائق أمام استكمال بعض الإجراءات، بل بات يغيّر خيارات العلاج نفسها.
وتأتي أزمة طب الأسنان في ظل الحصار والقيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال السلع والمستلزمات إلى قطاع غزة، بما فيها الأدوية والمعدات والمواد الطبية، ما ينعكس على وصول احتياجات طب الأسنان من مواد التخدير والحشوات وعلاج العصب، إلى جانب المواد الأولية اللازمة لتصنيع التركيبات والجسور، وقطع الغيار الخاصة بالأجهزة.
وقال الجرجاوي: إن عيادات الأسنان تعاني نقصًا في مختلف المواد الأساسية، ولا سيما مواد علاج العصب والحشوات السنية، فيما يمثل نقص مواد التخدير مشكلة مباشرة؛ إذ إن التخدير عنصر رئيسي في بدء كثير من إجراءات العلاج، وقد يؤدي عدم توفره أحيانًا إلى تعذر تقديم الخدمة.
وأشار إلى أن الأطباء قد يلجأون، عند غياب المواد المطلوبة، إلى بدائل متاحة طبيًا، لكنها قديمة أو أقل مواكبة للمعايير العلمية الحديثة، ما يحد من الخيارات العلاجية المتاحة أمام الطبيب.
وبين أن بعض الخدمات أصبحت صعبة أو غير متاحة، من بينها الحشوات الأمامية التجميلية، وزراعة الأسنان، وإعادة علاج العصب، خاصة في الحالات المعقدة التي تحتاج إلى مواد وأدوات متعددة.
ولا يقتصر الأمر على المواد الطبية، إذ يواجه المركز تحديات مرتبطة بالطاقة.

وأشار الجرجاوي إلى أن ارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تذبذب التيار الكهربائي وعدم انتظامه، تسببا في أعطال كبيرة ومتكررة للأجهزة، ما يزيد الأعباء على العيادات التي تحاول الاستمرار في تقديم خدماتها.
وفيما يتعلق بمكافحة العدوى، قال: إن الأدوات يجري تعقيمها وفق الإجراءات المعتادة، لكن كثيرًا من مستلزمات الاستخدام الواحد لم تعد متوفرة، ما يضيف تحديًا أمام استقبال المرضى وتقديم بعض الخدمات بالشكل المعتاد.
وتنعكس هذه الظروف على المرضى مباشرة، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة المواد والتشغيل، في وقت تراجعت فيه القدرة المادية لكثير من الأسر.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار العلاج أصبح ملحوظًا، لكن الزيادة التي يتحملها المريض لا تعكس بالضرورة حجم الارتفاع الذي طرأ على تكاليف الطبيب نفسه، مشيرًا إلى أن القدرة المادية للمريض تبقى عاملًا أساسيًا في تحديد ما يمكنه تحمله من تكاليف.
وأكد أن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على تقديم الخدمة بصورة لائقة ومحترمة، في ظل تكاليف تشغيل وعلاج تتطلب مبالغ كبيرة، مشيرًا إلى أن عدم توفر بعض المواد وارتفاع أسعار المتاح منها يزيدان الأعباء على العيادات والمرضى.
وبين أن محدودية توفر بعض المواد واحتكار بعض التجار لها، بحسب ما يلمسه في السوق، يشكلان تحديًا إضافيًا أمام الأطباء، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين المستلزمات اللازمة لاستمرار العلاج.
ومن أبرز النتائج التي يلاحظها في عمله، زيادة حالات خلع الأسنان بدلًا من علاجها، ويعزو ذلك إلى أسباب مادية، إذ قد يصبح الخلع بالنسبة إلى بعض المرضى خيارًا أقل تكلفة من العلاج الذي يحتاج إلى مواد وجلسات متعددة.
ومع صعوبة توفير العلاجات الكاملة، تتركز الأولوية في الحالات الطارئة على إنهاء الألم قدر الإمكان، فيما تؤجل بعض الإجراءات التي تحتاج إلى مستلزمات غير متوفرة.
ولا تتوقف الأزمة عند أبواب العيادات، بل تمتد إلى مختبرات الأسنان التي تشكل حلقة أساسية في خدمات التركيبات والجسور.
وقال فني الأسنان أيمن الشبراوي: إن المختبرات تعاني نقصًا شديدًا في المواد الأساسية، خصوصًا المواد المستخدمة في تركيبات الزيركون، مع نقص حاد في بلوكات الزيركون وارتفاع كبير في أسعارها، إلى جانب نقص مواد صب المعادن والبودرة المخصصة لتركيبات البورسلان.
وأشار إلى أن نقص المواد جعل تنفيذ التركيبات والجسور بمختلف أنواعها شديد الصعوبة، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد وقطع الغيار بصورة كبيرة، بينما لا يستطيع المختبر تحميل المريض كامل الزيادة، ولا يستطيع في الوقت ذاته الاستمرار بالتكلفة السابقة.
وشدد على أن تعطل بعض الأجهزة يمثل مشكلة إضافية، إذ قد يتوقف جهاز كامل بسبب قطعة صغيرة يصعب الحصول عليها أو ترتفع كلفة توفيرها، ما يطيل فترة توقف العمل.
وقال: إن المريض يبقى المتضرر الأكبر، فمَن يحتاج إلى جسور أو تركيبات لاستعادة أسنانه قد يضطر إلى الانتظار أو دفع مبالغ مرتفعة، رغم قدرة المختصين على تنفيذ العلاج متى توفرت المواد والإمكانات.
وعلى مستوى القطاع، يصف نقيب أطباء الأسنان الدكتور عرفان اشتيوي لمراسلنا واقع المهنة بأنه صعب للغاية، مشيرًا إلى أن خدمات طب الأسنان تعمل في حدودها الدنيا، في ظل تضرر عدد كبير من العيادات والمراكز ونقص المواد والمستلزمات وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة.
وقال: إن عدد عيادات الأسنان في قطاع غزة قبل الحرب بلغ نحو 1,026 عيادة، فيما توقفت عن العمل ما بين 500 و600، نتيجة الدمار وظروف التشغيل ونقص المستلزمات.
وأكد أن خروج العيادة على الخدمة لا يرتبط بالدمار وحده، إذ إن بعض العيادات التي تمكنت من استئناف العمل لا تستطيع تقديم خدماتها بصورة كاملة بسبب نقص المواد والأجهزة والطاقة.
وأشار إلى أن النقص يشمل مواد التخدير والحشوات وعلاج العصب والحشوات المؤقتة، إلى جانب بعض مستلزمات التعقيم ومكافحة العدوى ومستلزمات الاستخدام الواحد وقطع أجهزة طب الأسنان ومكوناتها.
وحذر النقيب من أن تأجيل علاج مشكلات الأسنان قد يؤدي إلى تفاقمها، بما في ذلك التسوس وأمراض اللثة والالتهابات والخراجات، وقد ينتهي الأمر بفقدان أسنان كان من الممكن الحفاظ عليها، أو الحاجة لاحقًا إلى علاجات أكثر تعقيدًا وكلفة.
ــــــ
/ م.ل


