الاختفاء القسري تحوّل إلى سياسة ممنهجة وغطاء لجرائم التعذيب والقتل والإخفاء
رام الله 30-8-2026 وفا- قالت مؤسسات الأسرى إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل، للعام الثالث على التوالي، استخدام "الاختفاء القسري" كسياسة ممنهجة بحق آلاف المعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة، الذين اعتُقلوا خلال سنوات جريمة الإبادة الجماعية، ولا يزال مصير عدد كبير منهم وأماكن احتجازهم مجهولا حتى اليوم.
وأكدت مؤسسات الأسرى، في بيان مشترك، اليوم الأحد، لمناسبة "اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري"، الذي يصادف 30 آب من كل عام، أن استمرار الاحتلال في حجب المعلومات عن المعتقلين، ورفض الكشف عن أسمائهم وأماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية، وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم والجهات الحقوقية، لا يمثل مجرد انتهاك منفرد لحقوق المعتقلين، وإنما يشكّل منظومة متكاملة من التغييب القسري، تُستخدم لتجريد المعتقل من الحماية القانونية، وتهيئة الظروف لارتكاب التعذيب وسوء المعاملة والجرائم الطبية وغيرها من الانتهاكات بعيدا عن الرقابة والمساءلة.
الإخفاء القسري.. جريمة قائمة بذاتها وغطاء لجرائم أخرى
وبينت أن الإخفاء القسري محظور بشكل مطلق بموجب القانون الدولي، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف، بما في ذلك الحرب أو النزاعات المسلحة، وتعرّفه الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري باعتباره حرمانا من الحرية يتبعه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.
كما يقر القانون الدولي حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة ومصير ذويهم، وفي جبر الضرر والتعويض، فيما يصنّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري، متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، كجريمة ضد الإنسانية.
ومنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية على قطاع غزة، استخدمت سلطات الاحتلال أدوات قانونية وعسكرية لتثبيت هذه السياسة، من خلال احتجاز آلاف المدنيين دون ضمانات كافية، والاستناد إلى قانون "المقاتل غير الشرعي"، وإنشاء معسكرات احتجاز خاصة، إلى جانب فرض قيود واسعة على وصول المحامين واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية إلى المعتقلين.
الآلاف غُيّبوا.. والمئات ما زال مصيرهم مجهولا
وأضافت المؤسسات أنه لا تتوفر حتى اليوم إحصائية دقيقة وشاملة لعدد الفلسطينيين المختفين قسرا في قطاع غزة، في ظل صعوبة حصر الحالات والتحقق من مصير المعتقلين والمفقودين، وهي صعوبة تفاقمت بفعل حجم الدمار والقتل والتهجير القسري واستهداف أو إعاقة فرق البحث والإنقاذ، إلى جانب سياسة الاحتلال المتعمدة في حجب المعلومات عن المعتقلين والمفقودين.
ولفتت أنها باشرت خلال السنوات الثلاث الماضية، البحث والاستعلام عن مصير آلاف المعتقلين من قطاع غزة، فيما ردت سلطات الاحتلال بعدم وجود معلومات عن المئات من المفقودين، قبل أن تظهر لاحقا صورا لبعض هؤلاء ممن كانت سلطات الاحتلال قد نفت في وقت سابق واقعة اعتقالهم واحتجازهم، أو بعد جهود قانونية والتوجه للمحكمة العليا للاحتلال التي دفعت جيش الاحتلال للاعتراف باحتجاز جثامين لمعتقلين لديها، دون تحديد تواريخ أو ظروف حول استشهادهم.
وبينت أن حالة الشهيد الصحفي إيهاب ذياب من قطاع غزة، تبرز في هذا السياق كواحدة من الحالات التي تابعتها المؤسسات مؤخرا، فعلى مدار الفترة الماضية استمرت محاولات مؤسسات عديدة للكشف عن مصيره، وقد تلقت عدة ردود تفيد بعدم توفر معلومات عنه، حتى توجهت إحدى المؤسسات الحقوقية في أراضي عام 1948 إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، ليتبين لاحقا أن جثمانه محتجز لدى جيش الاحتلال، وقد أعلنت المؤسسات في 9 آب/أغسطس 2026 عن استشهاده داخل سجون الاحتلال، دون تحديد تاريخ محدد لاستشهاده.
الاختفاء القسري أداة للتعذيب والقتل
وقالت إن تغييب المعتقل قسرا عن العالم الخارجي لا ينفصل عن منظومة الانتهاكات التي يتعرض لها داخل أماكن الاحتجاز، إذ إن غياب المعلومات والرقابة القانونية والحقوقية يوفر بيئة مواتية لارتكاب الجرائم بعيدا عن أعين العالم.
وأشارت مؤسسات الأسرى إلى أنها وثقت، من خلال الإفادات والشهادات التي تمكنت من جمعها، أن معتقلي غزة تعرضوا لممارسات وحشية منذ لحظة اعتقالهم وخلال التحقيق ونقلهم إلى السجون والمعسكرات، وعلى رأسها التعذيب المنهجي، وسوء المعاملة، والجرائم الطبية، وهي ممارسات أدت إلى استشهاد العشرات من المعتقلين.
وفي هذا السياق، بينت أن سلطات الاحتلال أنشأت معسكرات وأماكن احتجاز خاصة بمعتقلي غزة، من أبرزها معسكر "سديه تيمان"، إلى جانب معسكرات "عناتوت"، و"عوفر و"نفتالي"، وإعادة افتتاح قسم "ركيفت" التابع لإدارة سجون الاحتلال في سجن الرملة، وهو قسم يقع تحت سجن "الرملة"، وقد نقلت المؤسسات بعد أن تمكّنت من زيارة معتقلي غزة في هذه السجون، شهادات وإفادات صادمة ومروعة.
إخفاء الجثامين امتداد لجريمة تغييب المصير
وأكدت أن سياسة الإخفاء لا تتوقف عند الأحياء؛ إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين فلسطينيين من قطاع غزة، بينهم معتقلون ارتقوا داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، إضافة إلى استمرار احتجاز جثامين فلسطينيين آخرين في الثلاجات وفي ما يُعرف بـ"مقابر الأرقام".
وشددت على أن احتجاز الجثامين ورفض تسليمها للعائلات يمثل انتهاكا لحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وفي استعادة جثامين أبنائهم ودفنهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية، كما يثير مخاوف جدية بشأن ظروف الوفاة وأسبابها، ويعرقل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة.
منظومة قانونية وعسكرية لتثبيت الإخفاء القسري
وأكدت مؤسسات الأسرى أن جريمة الاختفاء القسري لم تُمارس بصورة عشوائية أو بفعل تجاوزات فردية، وإنما جرى تثبيتها من خلال منظومة من الأوامر والتشريعات والممارسات العسكرية والقضائية، التي وفرت غطاءً لاحتجاز آلاف الفلسطينيين وإخفائهم.
وأوضحت أن المنظومة القضائية للاحتلال لعبت دورا في ترسيخ هذه السياسة، عبر التعامل مع قانون "المقاتل غير الشرعي" كإطار لاحتجاز معتقلي غزة، في الوقت الذي رفضت فيه سلطات الاحتلال الإفصاح عن معلومات كافية حول أعداد المعتقلين وهوياتهم وأماكن احتجازهم، كما تقدمت مؤسسات حقوقية بالتماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للكشف عن هويات المعتقلين وأماكن احتجازهم، إلا أن هذه المسارات لم تنهِ سياسة الاختفاء القسري.
وبينت أنه بحسب المعطيات التي أعلنتها إدارة سجون الاحتلال حتى بداية آب/أغسطس 2026، بلغ عدد من صنّفتهم ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين" (1358)، فيما بلغ عدد الشهداء من معتقلي غزة الذين عُرفت هوياتهم لدى المؤسسات (53) من أصل (99) شهيدا بين الأسرى والمعتقلين بعد الإبادة ممن عُرفت هوياتهم.
مسؤولية دولية تتضاعف أمام جريمة الإبادة المستمرة
وشددت مؤسسات الأسرى على أن استمرار الاختفاء القسري بحق المعتقلين الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة، ولا سيما في ظل استمرار حرمان العائلات من أبسط حقوقها: معرفة مصير أبنائها ومكان وجودهم.
وفي هذا الإطار، دعت مؤسسات الأسرى المجتمع الدولي والأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات ملزمة تكشف مصير المختفين قسرا، وتضمن الوصول الدولي والمحامين إلى المعتقلين، وتفتح تحقيقات مستقلة في جرائم الإخفاء والتعذيب والقتل، وتحاسب مرتكبيها، وتُلزم الاحتلال بتسليم جثامين الشهداء المحتجزة.
وأكدت أن استمرار إخفاء مصير المئات ليس فراغا في المعلومات، بل جريمة ممنهجة تُرتكب أمام أعين العالم، مشددة على أن وقف الاختفاء القسري وكشف مصير المعتقلين ليس مطلبا إنسانيا قابلا للتأجيل، بل هو اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي في إنفاذ القانون، وإنقاذ البشرية من مسار الإبادة المستمر.
ــــ
و.أ


