غزة 29-8-2026 وفا- محمد دهمان
في فصول مؤقتة أقيمت من أقواس الدفيئات الزراعية وغُطيت بالشوادر داخل مركز إيواء الطاهر بمنطقة مواصي خان يونس، يحاول أطفال نازحون استعادة ما فقدوه من مهارات تعليمية خلال الحرب والانقطاع الطويل عن الدراسة.
وتضم مدرسة الطاهر نحو 370 طالبا وطالبة، من رياض الأطفال حتى الصف التاسع، فيما يستهدف برنامج تعليمي علاجي 125 طالبا وطالبة من الصف الأول حتى السادس، لمساعدتهم على تجاوز جوانب الضعف في القراءة والكتابة والرياضيات، وتمكينهم من مواصلة مسارهم التعليمي.
ويعمل في المدرسة معلمون ومعلمات نازحون بصورة تطوعية، مقدمين خدماتهم للأطفال على مدار عام دراسي كامل، في ظل ظروف تعليمية صعبة ونقص في الإمكانيات، بانتظار تحسن الظروف التي تسمح للطلبة بالعودة إلى مدارس أكثر استقرارا.
من خيمة إلى مدرسة:
بدأت المدرسة في نهاية آب/ أغسطس 2025 بخيمة واحدة ضمت نحو 20 طالبًا من الصف الأول حتى الرابع، وكان الهدف مساعدة الأطفال على تعويض ما فقدوه من التعليم، لا سيما مهارات القراءة والكتابة.
ومع ازدياد أعداد الطلبة وحاجتهم إلى التعليم، توسعت المدرسة تدريجيا، لتضم خلال الفصل الأول الصفوف من الأول حتى السادس، إلى جانب رياض الأطفال، فيما أضيفت في الفصل الثاني صفوف السابع والثامن والتاسع.
ويقول مدير المدرسة موسى عيد النحال، وهو مدير مدرسة متقاعد، إن عدد الطلبة في الصفوف من الأول حتى التاسع يبلغ نحو 320 طالبا وطالبة، إضافة إلى 50 طفلا في مرحلتي التمهيدي والبستان، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 370 طالبا وطالبة.
وتشرف لجنة إدارة مركز الإيواء على مشروع المدرسة، وتوفر له مساعدات محدودة، فيما يعمل الكادر التعليمي والإداري بصورة تطوعية، وجميع أفراده من النازحين المقيمين في مركز إيواء الطاهر.
خطة لتعويض الفاقد التعليمي:
مع نهاية العام الدراسي، أعد النحال والمعلمون خطة لمعالجة الفاقد التعليمي، وتحديد الطلبة ضعيفي التحصيل الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
ويوضح أن الخطة العلاجية تضمنت تحديد الأهداف والأساليب والأنشطة والمدة الزمنية، التي حُددت بستة أسابيع، وبدأ تنفيذ البرنامج في 10 تموز/ يوليو واستمر حتى 20 آب/ أغسطس، خلال الإجازة المدرسية.
ويستهدف البرنامج 125 طالبا وطالبة من الصف الأول حتى السادس، ويركز على أبرز جوانب الضعف، وفي مقدمتها صعوبات القراءة والكتابة وضعف الخط، إلى جانب المهارات الأساسية في الرياضيات.
وتوضح آية جابر أبو نجا (33 عاما)، من الكادر التعليمي، أن مستويات الطلبة تختلف من طفل إلى آخر، كما تختلف دافعيتهم نحو التعلم وحجم الفاقد التعليمي من صف إلى آخر.
وتقول إن البرنامج يركز على المهارات الأساسية في اللغة العربية، خاصة القراءة والكتابة، وفق مستوى الطالب وعمره، إلى جانب الرياضيات، فيما يجري مع طلبة الصفوف الأولى التدريب على الحروف بأشكالها وحركاتها والمهارات الأساسية المرتبطة بها.
وتضيف أن المعلمين لاحظوا تحسنا لدى عدد من الطلبة في القراءة والكتابة والرياضيات، فيما يجري تقييم مستوياتهم من خلال الاختبارات التشخيصية والأسئلة الشفوية، إلى جانب المتابعة اليومية.
آثار نفسية ترافق الفاقد التعليمي:

ولا يقتصر أثر الانقطاع الطويل عن التعليم على الجانب الأكاديمي، إذ يواجه الأطفال تداعيات نفسية خلفتها الحرب والنزوح وفقدان الاستقرار.
وتقول تسنيم الأغا (24 عاما)، أخصائية الإرشاد النفسي في مدرسة الطاهر، إن من أبرز الآثار التي تلاحظها لدى الأطفال زيادة العدوانية وسرعة الانفعال، وضعف التركيز والاستيعاب، والقلق والخوف، إضافة إلى الانطواء والعزلة عن الأقران.
وتوضح أن فقدان المدرسة والروتين الدراسي لفترة طويلة قد يؤثر في ثقة الطفل بنفسه، خاصة عندما يشعر بأنه نسي بعض المهارات التي كان يمتلكها، فيختار أحيانا الصمت والانعزال خوفا من الخطأ أو الإحراج أمام زملائه.
وتؤكد أن الضغوط النفسية التي عاشها الأطفال خلال الحرب تنعكس بصورة كبيرة على قدرتهم على التركيز والاستيعاب، نتيجة تأثيرها في الانتباه والذاكرة.
وترى الأغا أن العودة إلى المدرسة، حتى وإن كانت داخل خيمة أو فصل مؤقت، تساعد الطفل على استعادة الشعور بالأمان، لأنها توفر له مساحة للتعلم واللعب والتعبير عن مشاعره والتفاعل مع أقرانه.
وتؤكد أهمية الجمع بين التعليم العلاجي والدعم النفسي، لما لذلك من دور في استعادة الأطفال ثقتهم بأنفسهم وتحسين قدرتهم على التعلم والاندماج مع زملائهم.
فصول من أقواس الدفيئات:
ولا تخلو العملية التعليمية من تحديات، في مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة وطبيعة الفصول المؤقتة التي أقيمت من أقواس الدفيئات الزراعية وغُطيت بالشوادر، إلى جانب نقص المستلزمات والوسائل التعليمية الأساسية.
ويقول النحال إن الطلبة كانوا يجلسون في بداية الأمر على الأرض، قبل أن يساهم أهل الخير، في شهر أيار/ مايو، في توفير مقاعد وطاولات خشبية مصنوعة من طبليات خشبية.
ولا تتوفر القرطاسية والوسائل التعليمية اللازمة بصورة كافية، لعدم وجود جهة داعمة، فيما يعتمد تقييم تقدم الطلبة في جانب منه على الملاحظة اليومية، بسبب ارتفاع تكلفة الاختبارات المطبوعة.
وفي تفاصيل تجربته، اضطر النحال إلى الانقطاع عن المدرسة بعد إصابته جراء قصف أثناء توجهه إلى المسجد لأداء الصلاة، قبل أن يعود إلى متابعة عمله في نهاية نيسان/ أبريل 2026.
أربعة أبناء في مدرسة النزوح:
ومن بين الأسر المستفيدة من المدرسة أسرة محمد محمود بدر (38 عاما)، النازح من منطقة الشابورة في رفح بعد تدمير منزله، والذي يقيم حاليا مع أسرته في خيمة داخل مركز إيواء الطاهر في مواصي خان يونس.
ويقول بدر إن أربعة من أبنائه التحقوا بالمدرسة، ثلاثة منهم في الصفوف السادس والخامس والثالث، إضافة إلى طفل في الصف الأول، موضحا أن الحرب أثرت بشكل كبير على مستواهم، خاصة في القراءة والكتابة وفهم المنهج الدراسي.
ويؤكد أنه لاحظ تحسنا في مستوى أبنائه بعد التحاقهم بالبرنامج، مشيرا إلى أنهم يحبون المدرسة ويقبلون على الدراسة.
ويضيف أن ظروف التعليم داخل الخيام لا تزال صعبة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وعدم توفر الطاولات والكراسي بصورة كافية، متمنيا أن يحقق أبناؤه استفادة أكبر من البرنامج ويحافظوا على مسارهم الدراسي.
التعليم في ظل أزمة واسعة:

وتأتي تجربة مدرسة الطاهر في ظل أزمة تعليمية واسعة في قطاع غزة، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن نحو 95% من مدارس القطاع تعرضت لأضرار مادية جراء القصف، فيما حُرم نحو 785 ألف طالب من التعليم، واستشهد أكثر من 13,500 طالب، إلى جانب استشهاد أكثر من 830 معلما وكادرا تربويا خلال الحرب.
وبينما تستعد المدرسة لاستئناف الدراسة النظامية من الصف الأول حتى التاسع بعد انتهاء الإجازة، تبقى الحاجة قائمة إلى توفير المستلزمات والوسائل التعليمية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتعلم، لمساعدة الطلبة على تعويض ما فقدوه ومواصلة تعليمهم.
وفي ظل غياب الظروف التعليمية المستقرة، تواصل المدرسة أداء دورها داخل فصول بسيطة أقيمت من أقواس الدفيئات والشوادر، لتمنح أطفالا أنهكتهم الحرب فرصة لاستعادة ما أمكن من تعليمهم، والتمسك بمسارهم الدراسي رغم قسوة النزوح.
ـ
م.د/ م.ج


