طولكرم 25-8-2026 وفا- هدى حبايب
لم تعد قائمة المشتريات في كثير من الأسر بمحافظة طولكرم تشبه ما كانت عليه قبل سنوات، ففي ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأعباء المعيشية، تعيد العائلات ترتيب أولوياتها، وتستغني عن بعض احتياجاتها، فيما تلجأ أسر أخرى إلى الاستدانة لتوفير ما لا يمكن تأجيله.
وفي أحد متاجر المدينة، تقف إحدى السيدات، وهي أم لخمسة أطفال، فضلت عدم الإفصاح عن اسمها، أمام رفوف المواد الغذائية، تتفحص الأسعار قبل أن تختار ما تحتاجه، ثم تعيد بعض الأصناف إلى مكانها.
تقول إن ميزانية الأسرة لم تعد تكفي لشراء كل ما اعتادت عليه، وإن الأولوية أصبحت للخبز والمواد الأساسية جدا، بينما تحولت احتياجات أخرى إلى كماليات، رغم أنها كانت جزءا من الحياة اليومية.
وتقول إحدى المواطنات، وهي موظفة في القطاع العام: "أصبحنا نحسب كل شيء قبل ما نشتريه، ونفكر أكثر من مرة إذا كنا بحاجة إليه فعلا، نشتري الضروري فقط، وحتى بعض الأساسيات نؤجلها إلى حين توفر المال، وتحديدا مع نزول نصف الراتب".
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، تتسع دائرة الديون لدى عدد من الأسر، سواء لدى أصحاب المحال التجارية أو المواطنين، في محاولة لتغطية المصاريف اليومية، في وقت تتراجع فيه القدرة على السداد وتتراكم الالتزامات شهرا بعد آخر.
يقول موظف من مدينة طولكرم، اكتفى بذكر كنيته "أبو محمد"، ويبلغ من العمر 50 عاما، إن راتبه لم يعد يكفي لتغطية احتياجات أسرته وسداد الالتزامات المتراكمة عليه، خاصة أن لديه طالبين يدرسان في الجامعة، بعدما اضطر خلال الفترة الماضية إلى الاستدانة لتأمين المصاريف الأساسية.
ويضيف أن الديون بدأت تتراكم تدريجيا، فكلما سدد جزءا منها، وجد نفسه مضطرا للاقتراض من جديد لتغطية احتياجات أخرى لا يستطيع تأجيلها، من بينها الغذاء والفواتير والمصاريف المنزلية، ما أدخله في دائرة متواصلة من الاستدانة والسداد.
ويقول: "أصبحت أستدين من أجل تسديد دين سابق، وأحيانا لا يتبقى من راتبي ما يكفي حتى لأيام، أحاول تقليل المصاريف قدر الإمكان، لكن هناك احتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها".
ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بات هذا الموظف، كما باقي الموظفين، أمام معادلة صعبة: راتب محدود، والتزامات متزايدة، وديون تتراكم، فيما تتقلص احتياجات أسرته يوما بعد يوم لتجنب الوقوع في مزيد من العجز المالي.
الديون.. حل مؤقت يتحول إلى عبء
بالنسبة للكثير من الأسر، أصبح الدين وسيلة لتجاوز نهاية الشهر، إلا أن هذا الحل المؤقت يتحول مع مرور الوقت إلى عبء إضافي، خصوصا عندما تتراكم الديون ويصبح سدادها مرتبطا بتوفر دخل ثابت وكاف.
ويقول أمجد بسام، صاحب محل للمواد التموينية في طولكرم، إن عددا من الزبائن باتوا يشترون بعض احتياجاتهم على الحساب، مشيرا إلى ارتفاع قيمة الديون المتراكمة لدى بعض الأسر مقارنة بما كانت عليه في السابق، فيما يحاول أصحاب المحال مراعاة ظروف الزبائن قدر الإمكان.
ويضيف أن حركة الشراء تغيرت بشكل ملحوظ، إذ أصبح الزبون يشتري كميات أقل، ويبحث عن البدائل الأقل سعرا، ويركز على الأصناف الأساسية، في حين تراجعت مبيعات العديد من السلع غير الضرورية.
ضغوط اقتصادية متراكمة
ويرى المحلل والاستشاري الاقتصادي عبد الرحمن خضر أن محافظة طولكرم تعد من أكثر المحافظات تضررا من الوضع الاقتصادي الراهن، نتيجة تراكم مجموعة من العوامل، من بينها نزوح سكان مخيمي طولكرم ونور شمس بسبب عدوان الاحتلال، ودخول نحو 25 ألف نازح إلى المدينة والقرى، ما شكل، وفق تقديره، عبئا اقتصاديا كبيرا.
ويشير أيضا إلى أن طولكرم من المحافظات التي يعتمد فيها عدد كبير من الأسر على العمالة داخل أراضي عام 1948، وقد فقد هؤلاء أعمالهم بشكل مفاجئ ومرة واحدة، الأمر الذي أحدث صدمة اقتصادية انعكست على قطاعات واسعة من المجتمع.
ويضيف أن اقتصاد المدينة كان يعتمد بدرجة كبيرة على المتسوقين من أراضي عام 1948، الذين كانوا يشكلون جزءا مهما من الحركة التجارية، قبل أن تتوقف حركة دخولهم إلى طولكرم نتيجة إغلاق الاحتلال للمعابر والبوابات على مداخل المدينة.
ويقول خضر إن هذه التطورات دفعت المواطنين إلى استهلاك مدخراتهم والاستفادة ما كانوا يمتلكونه من أصول، مشيرا إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى بيع المصاغ والأراضي والمركبات وبعض المستلزمات المنزلية، في ظل استمرار حالة الانكماش الاقتصادي لفترة أطول ما توقعه كثيرون.
ويشير إلى أن أزمة الرواتب التي طالت الموظفين الذين يشكلون نسبة كبيرة من فئات المجتمع، إلى جانب تضرر القطاع الخاص والشركات وفقدان عدد من العاملين مصادر دخلهم، أدت بمجملها إلى تفاقم الوضع الاقتصادي في المحافظة، وشكلت مرحلة خطيرة جدا بدخول الموظفين إلى خانة الفقر.
من الكماليات إلى أساسيات الأساسيات
ويؤكد خضر أن أنماط الاستهلاك تغيرت بصورة واضحة، إذ تخلت الأسر عن كثير من الأمور الترفيهية والكمالية، وأصبح الإنفاق يتركز على أساسيات الأساسيات، وفي مقدمتها الغذاء والشراب.
ويضيف أن مظاهر الفقر أصبحت أكثر وضوحا، مع انتشار ظواهر مثل التسول وطلب المساعدة لتوفير الخبز أو الأدوية، إلى جانب معاناة النازحين الذين فقدوا أعمالهم ومنازلهم ومصادر رزقهم.
ويشير إلى أن أسواق طولكرم أصبحت شبه خالية من المتسوقين، لافتا إلى تراجع الإقبال على شراء الملابس، وهو ما يظهر بشكل خاص مع اقتراب موسم المدارس، الذي كان يشهد في السنوات السابقة حركة تجارية نشطة قبل بدء العام الدراسي بأسابيع.
ويقول خضر إن بعض الأسر أصبحت تبحث عما لديها في المنازل من ملابس وأغراض قديمة، كما باتت تسأل عن البضائع المستعملة، بما فيها الزي المدرسي المستعمل، بدلا من شراء الجديد.
الاقتراض.. ترحيل للأزمة
ويرى خضر أن اللجوء إلى الاقتراض لا يمثل حلا جذريا للأزمة، بل هو ترحيل للأزمات، مشيرا إلى تهافت مواطنين على البنوك ومؤسسات الإقراض، رغم وجود قروض والتزامات سابقة، في محاولة لإعادة الجدولة والحصول على مبالغ جديدة لتغطية جزء من الاحتياجات العاجلة.
ويحذر من أن هذا السلوك يحمل الأسر أعباء مالية إضافية، خصوصا مع بداية مواسم المدارس والجامعات، إذ يبحث المواطن عن حل آني لأزمته دون القدرة على النظر إلى تبعاته المستقبلية.
ويؤكد أن هذه الأموال لا تذهب في معظم الحالات إلى استثمار أو نشاط منتج، وإنما لتغطية الاحتياجات اليومية، ما يجعل آثارها الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيدا.
ويؤكد أنه لم تسلم القطاعات الإنتاجية من تداعيات الأزمة، ومنها القطاع الزراعي في محافظة طولكرم، فرغم ما يمتلكه من مقومات واعدة، تضرر بصورة كبيرة، خاصة في المناطق القريبة من جدار الفصل والتوسع الاستعماري، والتي تواجه مخاطر الاستيلاء والإخلاء والتجريف.
كما يواجه المزارعون، وفق خضر، ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبات التسويق والعراقيل على المعابر، ما يزيد من الأعباء على هذا القطاع ويحد من قدرته على توفير فرص دخل للأسر.
ـــــ
ه.ح/ م.ع


