رام الله 23-5-2026 وفا- رامي سمارة
لم تشكل حادثة استشهاد الطفل يوسف علي كعابنة (16 عاماً) جريمة "قتل عابرة" لفلسطيني على يد جيش الاحتلال والمستعمرين، بل كانت تتويجاً دموياً لتكامل عناصر المخطط الإسرائيلي القائم على: أرض لا أثر لفلسطيني فوقها.
في منتصف نهار الأربعاء، 13 من الشهر الجاري، أعلن عن استشهاد الطفل كعابنة برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي، خلال محاولة تصدي الأهالي لهجوم للمستعمرين تحت حماية الجيش طال بلدات سنجل وجلجليا وعبوين، شمال شرق رام الله، انتهى بسرقة نحو 700 رأس غنم.
ومن تلك المعطيات، يمكن استنباط أن ما جرى يومها جريمة مكتملة الأركان: قتل طفل حاول الدفاع عن أملاكه، على يد جنود جيش تواجدوا لحماية مستعمرين أثناء قيامهم بعملية إرهاب انتهت بالسرقة وفي وضح النهار.
تصف هيئة شؤون الجدار والاستيطان أن الماشية الفلسطينية تحولت من ركيزة للأمن الغذائي إلى هدف مباشر لسياسة تدمير ممنهجة يقودها المستعمرون تحت غطاء رسمي، وذلك في واحدة من أعنف المعارك الصامتة للاستحواذ على الأرض.
وتبين الهيئة أن الإرهاب الذي يمارس لتطبيق تلك السياسة أصبح خطة استراتيجية، يتصدرها عنصر السطو على الأرض.
ورصدت طواقم الهيئة 102 اعتداءً مباشراً، طالت 4796 رأساً من الماشية، في فترة قصيرة جدا تمتد من مطلع العام 2026 وحتى منتصف أيار /مايو الجاري.
إحصائيات دالّة أخرى صادرة عن وزارة الزراعة، تكشف عن كارثة تضرب قطاع الثروة الحيوانية في الضفة الغربية، إذ لم تعد قطعان المواشي في أمان من المستعمرين الذين باتوا يستهدفونها سرقةً وقتلاً، في نمطٍ موثق ومتكرر.
وتشير بيانات الإدارة العامة لخدمات المزارعين في الوزارة إلى أن العام المنصرم 2025 شهد سرقةَ أو قتلَ ما لا يقلّ عن 5236 رأساً من الأغنام على يد عصابات المستوطنين، بخسائر مالية قدرت بنحو 1774961 دولاراً.
وبحسب بيانات الزراعة، فإن تلك الأعمال تمتد في جغرافيا الضفة بأكملها، ما يؤكد أنها تتجاوز مفهوم الحوادث الفردية، لتعبر عن ظاهرة ممنهجة، لا تقتصر على سرقة القطعان وقتلها بالضرب وإطلاق النار، وإنما عمليات "إعدام جماعي" طالت مزارع دواجن.
ويضاف إلى ذلك الإضرار غير المباشر، عبر تسميم أو تثقيب خزانات المياه المخصصة لسقاية الحيوانات، وهدم الآبار وتدمير شبكات الري، بقصد تجفيف مصادر الحياة لكل كائن على الأرض المستهدفة، خاصة في محيط البؤر الاستيطانية والرعوية.
وبلغت الخسائر التي لحقت بقطاع مصادر المياه وحده 1,579,673 دولاراً على مستوى الضفة الغربية خلال العام 2025، وكان المربّون الرعويون أكثر المتضررين منها لارتباط مواشيهم ارتباطاً مباشراً بتوافر الماء في المراعي، كما جاء في تقرير وزارة الزراعة.
ويرى المشرف العام لمنظمة "البيدر" لدفاع عن حقوق البدو حسن مليحات، أن الضفة الغربية تشهد تصعيدا استعماريا يتجاوز مفهوم الاعتداءات العشوائية ليرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، حيث تحولت عمليات سرقة وقتل المواشي على يد المستعمرين إلى أداة استراتيجية لفرض سيطرة ديموغرافية وجغرافية، وتحديداً في المناطق المصنفة "ج".
ويستدل من إحصائيات ومتابعات "البيدر"، أن تلك الهجمات لا تشن للسرقة فحسب، بل تأتي ضمن سياسة مدروسة ومدعومة من حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومركباتها من قوى اليمين المتطرف، بهدف التطهير العرقي وإجبار السكان الأصليين على الرحيل.
وتستهدف تلك الاعتداءات كما يقول مليحات، ضرب عصبين أساسيين لسكان الريف والبوادي: الأمان والاستقرار، وسرقة المواشي إن لم تؤد إلى الترهيب فإنها ستنتهي بالإفقار وتدمير مصادر الدخل.
وبالمحصلة، فإن بيئة طاردة تخلق في المناطق المستهدفة، تجبر المواطنين على ترك الأرض أو هجرها وإهمالها بشكل قسري، وبالتالي تصبح فريسة يسهل الانقضاض عليها.
وأسفرت هذه السياسة عن ترحيل ما يقارب 22 تجمعاً بدوياً، فضلوا الانتقال إلى مناطق أخرى بحثاً عن الأمان وحفاظاً على ما تبقى من مصادر رزقهم، وفق مليحات.
وسجلت أكبر عملية سطو على المواشي في تجمع "شلال العوجا" في آذار/مارس 2025، حيث استولت عصابات المستعمرين على 800 رأس من الأغنام في ليلة واحدة.
ويتطرق المشرف العام لمنظمة البيدر إلى أن المستعمرين يلجأون لتكتيكات منظمة لإخفاء معالم جرائمهم؛ إذ يتم نقل المواشي المسروقة بين المحافظات، لصعوبة تتبعها أو لإنكار عمليات السرقة إن تطلب الأمر ذلك، لتستخدم لاحقاً في البؤر الاستعمارية الرعوية لتصبح أداة إضافية في محاربة المواطنين والتضييق عليهم في جبالهم ومراعيهم، تحت شعار "حيث تصل أغنامنا.. تصل أقدامنا".
وتحت هذا الشعار، تُستخدم قطعان المستعمرين كرأس حربة لابتلاع المزيد من الأراضي، فبمجرد دخول مواشي المستوطنين أي منطقة جبلية أو رعوية، تصبح تلك المنطقة محرمة عسكرياً وعملياً على الفلسطينيين.
ومع تمدد الرعي الاستعماري، تتسع رقعة الأراضي المستولى عليها، وتُغلق المناطق تدريجياً في وجه أصحابها الأصليين، في هندسة تسعى لفرض أمر واقع جديد على الأرض.
ويتحدث مدير دائرة الحشد والمناصرة في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عبد الله حماد، عن تواطؤ إسرائيلي ممنهج لسرقة مواشي الفلسطينيين عبر حيل و"مسرحيات" قضائية، تضع تحديات وعراقيل أمام مساعي استرداد المواشي المنهوبة من قبل المستعمرين.
ويؤشر ذلك إلى أن ما يجري لا يمكن حصره في إطار حوادث السرقة الفردية، بل "عملية سلب ممنهجة" تتواطئ فيها أطراف عدة تشمل المستعمر، والجيش، والشرطة، والقضاء.
ونوه إلى أن بعض المستعمرين بات يعمل بشكل أكثر تنظيماً، حيث يقومون بوضع علامات خاصة بهم على الأغنام المسروقة لدحض رواية أنها لا تعود له، هذا إن كتب النجاح للفلسطيني بتقديم شكوى أو رفع قضية تسجل غالباً "ضد مجهول"، حتى لو أرفقت بمقاطع فيديو توثق وجوه اللصوص وتفاصيل عملية السرقة.
وتحدث أيضاً عن تكتيك جديد يلجأ له المستعمرون لسرقة مواشي الفلسطيني وأمام عينيه، فبدلاً من السطو بالخفاء، يقوم المستعمر بتقديم شكوى مسبقة لدى الشرطة الإسرائيلية يدعي فيها أن أغنامه سرقت من قبل فلسطيني، فتقوم الشرطة باصطحابه إلى المشكو عليه وتستولي من الأخير على أغنامه تحت مرآه ومسمعه بداعي أنها ليست له.
ويصف حماد محاولة الفلسطيني استرداد حقه عبر الطرق القانونية المتاحة بأنها أشبه بالدخول إلى "بوابة الجحيم"، إذ يُضطر المواطن للتوجه منفردا لتقديم شكواه في مراكز شرطة إسرائيلية تقع غالباً داخل المستعمرات أو بالقرب منها، هذا قبل أن يصطدم بجدار من دواعي الإثبات والملكية وغيرها.
ويقول: "تتآمر كل الأطراف على الفلسطيني لنزع ملكيته وتجريده من حقه في اقتناء الأغنام والرعي الحر ضمن المناطق المسموح بها والمناطق البرية. هذه مشكلة كبيرة؛ فـعبء الإثبات هو أكبر عائق يواجه المحامين والمؤسسات الحقوقية عند متابعة قضايا سرقة الأغنام".
ويشير في هذا السياق إلى الحاجة لأن تستحدث الجهات المختصة نظاماً لتوثيق المواشي عبر أوسام أو علامات توضع في آذانها وتحمل أرقاماً تسلسلية، مما يسهل التعرف عليها عند سرقتها، حيث أن انعدام قاعدة بيانات وأرقام رسمية دقيقة تفقد الحقوقيين مرجعية أساسية للاستناد إليها في المحاكم.
وعن الحالات التي تعاد بها بعض المواشي المسروقة إلى أصحابها الفلسطينيين، ذكر حماد أنها حيل يراد بها تلميع الصورة أمام الإعلام، وأكد أن إرجاع جزء بسيط من قطيع يتم للادعاء بوجود "العدالة".
ولا يمكن حصر البيانات والحقائق حول الهجمة الاستعمارية على المواشي في إطار الخسائر التراكمية المجردة، حسب وزارة الزراعة، بل تعبر مسار تصاعدي واضح الاتجاه: وتيرة تتضاعف، وبؤر تتسع على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، لتشمل محافظات كانت نسبياً بمنأى عن الاستهداف المكثّف.
وما تكشفه الأرقام ليس سوى الوجه المرئي للكارثة، إذ تمتد تداعياتها إلى ما هو أعمق: فقدان الأسر لمصدر دخلها الرئيسي، وتراجع الإنتاج من اللحوم والحليب ومشتقاته، وارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب الاضطرار إلى شراء الأعلاف المستوردة جراء تقليص المراعي، والاستدانة لإعادة بناء القطعان المسروقة.
وفي غياب أي رادع، تُشير هذه المؤشرات إلى أن العام 2026 مرشّح لتسجيل أعلى معدلات الخسارة في قطاع الثروة الحيوانية الفلسطيني منذ توثيق هذه الانتهاكات.
وتشكل الاعتداءات التي تشمل السرقة العلنية للمواشي وقتلها، وتدمير الحظائر، وتسميم المراعي والمياه، والاعتداء الجسدي على الرعاة انتهاكاً لـ "اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949"، وخاصة المادة 53 التي تحظر على دولة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة الثابتة أو المنقولة.
كما أن حرمان التجمعات الرعوية من مصادر رزقها لدفعها نحو الرحيل القسري يمثل خرقاً مباشراً للمادة 49 من ذات الاتفاقية التي تحظر النقل الجبري للسكان، مما يضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية ملزمة لوقف هذه السياسة الممنهجة لتفريغ الأرض، كما يرد في تقرير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
ــ
ر.س/ م.ج


