طولكرم 7-10-2026 وفا- هدى حبايب
لم تعد مدينة طولكرم اليوم تشبه نفسها في تفاصيل يومها المعتاد.
فالشوارع التي كانت تستقبل صباحا حركة الموظفين والطلبة، والأسواق التي كانت تعج بالمتسوقين حتى ساعات المساء، والمقاهي التي اعتاد روادها إطالة الجلسات والسهر فيها، شهدت خلال الأعوام الثلاثة الماضية تحولات عميقة، بفعل الاقتحامات العسكرية المتكررة، وإغلاق الطرق، والقيود المفروضة على حركة المواطنين.
ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث بدأت حرب الإبادة، تعرضت مدينة طولكرم وضواحِيها ومخيما "طولكرم ونور شمس" لسلسلة متواصلة من الاقتحامات وعدوان عسكري متواصل، أسفرت عن استشهاد وإصابة واعتقال عدد من المواطنين، وفرضت واقعا ميدانيا وعسكريا انعكس بصورة مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية في المدينة ومحيطها.
وبلغ التصعيد ذروته في السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2024، عندما شنت قوات الاحتلال عدوانا واسعا على مدينة طولكرم ومخيمها، أعقبه بعد نحو أسبوع عدوان آخر على مخيم نور شمس، في واحدة من أشد موجات التصعيد التي شهدتها المحافظة.
وترافق العدوان مع حصار واقتحامات، ألحقت أضرارا ودمارا في البنية التحتية والمنازل والمنشآت، وغيرت ملامح عدد من الشوارع والأحياء والمعالم الجغرافية في المدينة ومخيميها.
ولم تتوقف تداعيات ذلك عند الأضرار المادية، بل امتدت إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من حركة المواطنين والمواصلات، إلى أوقات عمل المحال والأسواق، والوصول إلى المدارس والجامعات والخدمات، في وقت أصبحت فيه الاقتحامات والحواجز والإغلاقات جزءا من المشهد اليومي للسكان.
ثلاث سنوات لم تغير المشهد الميداني فحسب، بل أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، وفرضت على السكان أنماطا جديدة من التكيف مع واقع تتداخل فيه التداعيات الأمنية مع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
في هذه المدينة، لم يعد الوقت يقاس بالساعات وحدها، بل بمدى القدرة على الوصول إلى العمل، وفتح المتجر، وبلوغ الجامعة، أو العودة إلى المنزل دون أن يعترض الطريق حاجز أو إغلاق أو اقتحام مفاجئ.
من الأسواق إلى وسائل النقل، ومن مقاعد الدراسة إلى الحياة المسائية، تتكشف حكاية مدينة لم تتوقف فيها الحياة، لكنها لم تعد تسير بالإيقاع ذاته.
الأسواق.. حين يصبح فتح المحل تحديا يوميا

في وسط مدينة طولكرم، تبدو الحركة التجارية واحدة من أبرز المؤشرات على التغير الذي طرأ على إيقاع المدينة، فالتاجر الذي كان يفتح أبواب متجره صباحا وفق روتين ثابت، بات يواجه ظروفا متغيرة ترتبط بحركة المواطنين، وإمكانية وصولهم إلى السوق، والاقتحامات التي قد تعطل النشاط التجاري لساعات أو أيام.
ويقول تاجر في محل لبيع ألعاب الأطفال، فضل عدم ذكر اسمه، إن الحركة التجارية والقدرة الشرائية تراجعتا بشكل غير مسبوق منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مشيرا إلى أن الحركة التجارية في الضفة الغربية تراجعت إلى مستويات محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل ذلك، في ظل الأوضاع الميدانية والحواجز وانتشار قوات الاحتلال في المدن ومحيطها.
وأوضح أن مبيعات محله انخفضت بنحو 80%، بعدما كانت شريحة الموظفين تشكل جزءا مهما من القوة الشرائية، مضيفا أن هامش الربح أصبح محدودا، وأن الإيرادات بالكاد تغطي جزءا من الالتزامات والخسائر.
ويلفت قائلا: "تمر علينا أيام نغلق المحل من دون أن يدخل إليه زبون واحد".
ولم تعد الخسائر التجارية مرتبطة بتراجع القدرة الشرائية وحده، بل امتدت إلى اضطراب دورة العمل اليومية، وتراكم الالتزامات المالية، وتراجع القدرة على التخطيط والاستثمار.
ويقول صاحب أحد المطاعم الشعبية في وسط المدينة، إن الفارق بين واقع المطعم قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما بعده كبير جدا.
وأوضح أن المطعم كان يشغل قبل الحرب نحو 22 عاملا وأكثر، فيما تقلص العدد حاليا إلى خمسة عمال فقط، في ظل تراجع إقبال المواطنين.
وأشار إلى أن المطعم تكبد خسائر كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، قائلا إن الإيرادات بالكاد تكفي لتغطية أجور العمال وفواتير الكهرباء والمياه، دون تحقيق هامش ربح يُذكر.
المواصلات.. مسافات أطول ووقت أكثر

أما سائقو المركبات العمومية، فأصبحوا أكثر ارتباطا بتفاصيل الطرق والحواجز والإغلاقات، إذ لم تعد الرحلة بين طولكرم والبلدات المحيطة بها محكومة بالمسافة وحدها، وإنما بالظروف الميدانية التي قد تفرض تغيير المسار أو الانتظار أو العودة.
ويقول السائق أمجد بسام، الذي يعمل على خط كفر اللبد-طولكرم، إن الطريق قبل ثلاث سنوات كان ميسرا وطيبا ويشهد حركة نشطة من العمال والموظفين والطلبة، في حين أصبحت الرحلة اليوم أطول وأكثر كلفة، بفعل إغلاق الطرق وتجريف الاحتلال لمدخل المدينة وإغلاقه، عقب عدوانه على مخيم نور شمس، إلى جانب الحواجز المفاجئة.
وأشار إلى أن طريق ذنابة-كفر اللبد الالتفافي أصبح من المسارات الرئيسية التي يسلكها السائقون، ما أدى إلى زيادة المسافة والوقت اللازمين للوصول.
وأضاف أن تراجع الحركة الاقتصادية دفع السائقين إلى التوقف عن العمل لفترات، وانخفض عدد الرحلات التي ينفذها يوميا من نحو 13 رحلة ذهابا وإيابا إلى أربع فقط، فيما أسهم ارتفاع الأسعار وغلاء الوقود في إحجام المواطنين عن التنقل إلا للضرورة.
وبالنسبة إلى المواطنين، تحول التنقل من تفصيل يومي عابر إلى عملية تتطلب حسابات مسبقة، خاصة للموظفين والطلبة والمرضى الذين ترتبط مصالحهم بمواعيد محددة.
التعليم.. الطريق إلى الجامعة جزء من يوم الطالب
وفي حياة الطلبة، لم تعد الرحلة إلى الجامعة مجرد انتقال من المنزل إلى قاعة المحاضرات، بل أصبحت جزءا من التحديات اليومية التي تواجه استمرار العملية التعليمية.
ويقول الطالب في جامعة فلسطين التقنية خضوري، عمر محمود عبد الله من كفر اللبد، الذي يدرس علم الحاسوب، إن الطلبة واجهوا تحديات متزايدة مع التحول إلى التعليم الإلكتروني خلال فترات الحرب، بدءا من صعوبة متابعة المواد وفهمها وتراكمها، وصولا إلى انقطاع الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، ما انعكس على أوضاعهم النفسية والمادية.
ومع العودة إلى التعليم الوجاهي، برزت صعوبة أخرى تمثلت في الوصول إلى الجامعة، في ظل الحواجز وإغلاق مداخل مدينة طولكرم والظروف الأمنية.
ويشير عبد الله إلى ارتفاع أجرة المواصلات من 6 شواقل قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر إلى 8 شواقل حاليا، الأمر الذي زاد الأعباء المالية على الطلبة، إلى جانب الضغوط النفسية التي فرضتها الظروف المحيطة بهم.
ولا تقتصر هذه الصعوبات على انتظام الدوام، بل تمتد إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة وقدرتهم على مواصلة تعليمهم في ظروف تتطلب منهم التكيف المستمر.
المساء.. حين تتوقف حركة المدينة

ومع حلول المساء، تظهر تحولات أخرى في نمط الحياة، إذ تأثرت المقاهي والمحال التجارية التي كانت تشكل جزءا من المشهد الاجتماعي لمدينة طولكرم بتراجع الحركة والظروف الميدانية، فيما أصبح الخروج مساء لدى كثير من المواطنين مرتبطا بمدى سهولة التنقل وإمكانية العودة إلى المنزل.
ويقول عميد عاشور، الذي يعمل في مقهى وسط المدينة منذ سنوات طويلة، إن الحركة فيه كانت قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نشطة، وكانت ساعات العمل تشهد إقبالا من الزبائن، فيما انخفضت بعد ذلك بنحو 70% وأكثر.
وأضاف أن ارتياد المقهى بات يقتصر، في كثير من الأحيان، على أشخاص يبحثون عن قضاء بعض الوقت بأقل قدر ممكن من الإنفاق، في ظل تراجع القدرة الشرائية، مشيرا إلى أن الحركة الحالية في المقهى محدودة جدا مقارنة بما كانت عليه سابقا.
وأشار عاشور إلى أن المقهى، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى نحو 80 عاما ويعد من أقدم المقاهي في مدينة طولكرم، كان يستقبل روادا من مختلف القرى والبلدات المحيطة، ومن أراضي عام 1948، إلا أن هذا المشهد اختفى بعد الحرب.
ولم يعد أولئك الرواد يرتادون المقهى كما في السابق بحسب عاشور، الذي يعزو ذلك إلى الظروف الاقتصادية والأوضاع الميدانية التي أثرت في حركة المواطنين.
وأضاف أن كل اقتحام لقوات الاحتلال للمنطقة ينعكس على المقاهي والأماكن العامة، التي قد تتعرض للمداهمة، فيما يتعرض بعض روادها للاحتجاز أو الاعتقال، الأمر الذي جعل ارتياد هذه الأماكن أكثر صعوبة، وبالتالي إغلاق المقهى في هذا اليوم.
كما لم تتوقف تداعيات هذه الظروف عند حدود الحركة التجارية والأسواق، بل طالت أيضا تفاصيل الحياة الاجتماعية، فتراجعت الزيارات العائلية والمناسبات والخروج إلى الأماكن العامة أو المشاركة في المناسبات، فيما بات كثير من السكان يفضلون قضاء وقت أطول في منازلهم، في ظل تراجع القدرة على الإنفاق وتزايد الشعور بعدم الأمان.
وتقول المواطنة التي اكتفت بكنيتها أم محمد إن الحياة الاجتماعية في المدينة لم تعد كما كانت، موضحة: "كنا نخرج بعد العصر وأيضا ساعات المساء، نزور أهلنا وأصدقاءنا، ونذهب إلى المطاعم والأسواق، ونبقى حتى ساعات الليل، أما اليوم فأصبحنا نفكر أكثر من مرة قبل أن نخرج، ليس فقط بسبب المصاريف، وإنما أيضا بسبب الوضع الأمني وشعورنا بعدم الأمان".
وتضيف: "أحيانا نخرج، لكننا لا نبقى طويلا، ونحرص على العودة إلى البيت قبل أن يتأخر الوقت، حتى الزيارات العائلية أصبحت أقل، لأن الأهل يخشون على أبنائهم على طريق العودة، وأصبح البقاء في المنزل بالنسبة لكثير من الناس أكثر أمانا وراحة".
حين يصبح الوصول إلى المريض مهمة شاقة
ولا تقتصر تداعيات الاقتحامات المتكررة على تعطيل حركة المواطنين وأعمالهم، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها خدمات الإسعاف، التي باتت طواقمها تعمل في ظروف أكثر صعوبة وخطورة، وسط الحواجز والإغلاقات والانتشار العسكري والاعتداءات، وما يرافق ذلك من تأخير في الوصول إلى المرضى والمصابين.
ويقول مدير إسعاف جمعية الهلال الأحمر في طولكرم رائد ياسين، لمراسلة "وفا"، إن عمل طواقم الإسعاف تغير بشكل كبير منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
وأوضح أن الحواجز والإغلاقات والإجراءات الميدانية زادت الضغط على عمل الطواقم، وأصبحت عملية الوصول إلى الحالات المرضية والإصابات تتطلب وقتا وجهدا وضغطا أكبر مقارنة بما كانت عليه سابقا.
ويقول ياسين إن التعامل مع طواقم الإسعاف تغير بشكل كبير، حيث لم تعد تشعر بأن هناك احتراما لعملها أو لمهمتها الإنسانية، إذ تتعرض للاحتجاز والاعتداء والتنكيل من قبل قوات الاحتلال، فيما تتعرض مركبات الإسعاف للتخريب وإطلاق النار، الأمر الذي يعيق عملها ويؤخر وصولها إلى المرضى والمصابين.
وأضاف أن بعض الجرحى ظلوا لفترات دون تلقي الإسعاف، بسبب منع طواقم الإسعاف من الوصول إليهم، "وهذا ما نعانيه دائما"، ما أدى في بعض الحالات إلى استشهادهم.
مدينة تحاول استعادة يومها
بعد نحو ثلاثة أعوام، لا تختصر حكاية طولكرم في مشاهد الدمار والاقتحامات، بل تمتد إلى تفاصيل يومية صغيرة تغيرت معانيها: متجر ينتظر زبائنه، وسائق يترقب الطريق، وطالب يحسب الوقت قبل مغادرة منزله، وعائلة تؤجل زيارة، ومواطن يترقب أن يمر يومه دون إغلاق مفاجئ.
لم تتوقف الحياة، لكنها أصبحت أكثر مشقة؛ مدينة تحاول الحفاظ على نبضها، فيما يواصل أهلها البحث عن أبسط ما يمكن أن تمنحه الحياة للإنسان: يوم عادي يمضي كما خططوا له.

ـــــــ
ه.ح/ م.ع


